|
تدهور الحضارة عند ابن خلدون
د. ياسر المشهداني
يعتبر كتاب المقدمة لابن
خلدون
من أوائل المصادر التي
استعرضت القواعد العامة لشرح قراءة التاريخ . فهو بحث تاريخي نقدي ،
يختلف فيه مؤلفه
تجاه من سبقه من المؤرخين الذين جمعوا الروايات والحوادث والأخبار دونما
منهج خاص يفرق ما بين الأسطوري والحقيقي منها، فكانت الأحداث تروى على
طبيعتها، وتنقل من دون
تمحيص أو تدقيق . يقول
ابن
خلدون : "إن فحول المؤرخين في
الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها وأدوها إلينا كما سمعوها، ولم
يلاحظوا أسباب الوقائع ولم يراعوها فالتحقيق قليل. وقد كان أغلب المؤرخين
يتباهون بعلمهم في حشد الروايات وتوثيق السند دون القيام بنقد الأخبار
على أساس
طبائع العمران. ويقول الطبري : "إنما أدينا ذلك حسب ما أدي إلينا" . فلئن
كان فضل
المؤرخين القدامى في أمانة النقل وغزارة المادة التي ملأوا بها كتبهم،
فإن
ابن
خلدون
قد أضاف إلى ذلك فضلا
آخر في ناحيتين، الأولى في تفريقه بين التاريخ وفلسفته، والثانية في
إلحاحه وسؤاله
الدؤوب عن العلل والأسباب للحوادث والوقائع ومحاولة الوصول إلى إجابات
منطقية.
وكانت المسألة الأساسية التي استحوذت على فكر
ابن
خلدون: كيف تنشأ الدول؟ وما
عوامل ازدهارها؟ وما أسباب هرمها ؟
اختلف الدارسون من القدامى والمحدثين في تفسير
تدهور
الحضارة
العربية الإسلامية
.
فابن خلدون يرى أن
الحضارة
عموما لها عمر يبدأ بالمولد ثم الفتوة ثم الشيخوخة والموت . ويضيف أن
ازدهار
الحضارة
مرتبط بازدهار
العمران وأن عدوها الحقيقي يكمن في حياة البذخ والترف المؤدي إلى
الانهيار.
قال تعالى : ( وتلك الايام نداولها بن الناس) .
من بين القضايا ذات الصلة بنهوض وتدهور الحضارة تلك التي تتمثل
بالعلاقة بين الحياة الحضرية وحياة الصحراء. وتدرس المقدمة تأثير كل من
الحياتين على الطبيعة الإنسانية حيث يساعد المثال التالي على فهم دورة
الحضارات. وقد قدم ابن خلدون مفهوماً متميزاً لهذه العلاقة. فهو يقول أن:
"البدو يقيدون أنفسهم بالحصول على الحاجات الأساسية في حياتهم ولا
يستطيعون تجاوزها، فيما الشعوب الحضرية تهتم بالحصول على وسائل الراحة
والرفاهية في محيطها وعاداتها. بالتأكيد إن الضروريات الأساسية تسبق في
الأهمية وسائل الراحة والرفاهية. الحاجات الأساسية، في هذا السياق، هي
الأولية، فيما الرفاهية ثانوية. وبالتالي فإن البدو هم الأساس ويسبقون
المدن والشعوب الحضرية.
الإنسان يسعى أولاً للضروريات الأساسية. ولا يبدأ البحث عن وسائل
الراحة والرفاهية إلا بعد أن يحصل على الضروريات الأساسية. إن شظف العيش
في الصحراء يسبق نعومة الحياة الحضرية. ولهذا نجد أن التحول للحياة
الحضرية هو الهدف الذي يطمح إليه البدو... هذه هي الحال مع كل القبائل
البدوية. أما الشعوب الحضرية في المقابل، فليست لديها الرغبة في الحياة
الصحراوية، مالم تكن مدفوعة بضرورة طارئة أو عدم مقدرتها على التعايش مع
شركائها في حياة المدينة. كما أن الشعوب الحضرية أكثر اهتماماً بكل أنواع
المتع. وهي معتادة على الرفاهية والنجاح في الأشغال الدنيوية والتلذذ
بالمتع الدنيوية. ولهذا نجد نفوسها مشوبة بكل الصفات المكروهة والشريرة.
وكلما كانت هذه الصفات أكثر في نفوسهم، كلما أصبحت المسالك والوسائل
الطيبة أبعد عنهم. وبالفعل فإنهم يخسرون أي إحساس بضبط النفس. لاحقاً
يتضح أن الحياة الحضرية تمثل المرحلة الأخيرة من الحضارة والنقطة التي
تبدأ منها سيرها نحو السقوط. كما تشكل أيضاً المرحلة الأخيرة من الشرور
والبعد عن الطيبة. ومن الواضح أن البدو أكثر ميلاً نحو أن يكونوا طيبين
من الشعوب الحضرية.
التعاقب الدوري عند ابن خلدون:
يعد ابن خلدون مبتدع نظرية التعاقب الدوري للدول في تاريخ الفكر
الإنساني من حيث بعدها الاجتماعي والفلسفي العام ، وقد توصل إلى الاقتناع
بفكرة التعاقب في الحضارة وقارن في دائرية التغيير بين الإنسان والمجتمع
، فللمجتمع في نظره عمر يمر به كعمر المرء الذي يولد ثم يكتمل نموه ، ثم
يهرم فيموت ، وعلى هذا الأساس تمر الدولة بمراحل (البداوة والازدهار
والتدهور) .
إن الدولة كانت المحور الأساسي الذي تدور حوله أبحاث ابن خلدون
ونظرياته ، إذ قاسها قياسا تاماً على عمر الفرد ومراحل تطوره وجعل للدولة
أعماراً كما للأشخاص وهي النظرية التي تمثل جوهر فكره في الدورة العضوية
للدولة ، ويرى ابن خلدون أن الدولة لا تعدو أعمار ثلاثة أجيال والجيل هو
عمر شخص من العمر الوسط فيكون أربعين الذي هو انتهاء النمو والنشوء إلى
غايته، قال الله تعالى : (حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة) سورة
الأحقاف، الآية 16.
إن حركة التاريخ عند ابن خلدون هو حركة انتقال مستمرة من البداوة
إلي الحضارة على شكل دورة ، وهذا الانتقال يتم عبر الدولة على خمس مراحل
: في المرحلة الأولى تنشا الدولة على أنقاض دولة سابقة لها . المرحلة
الثانية: ينفرد صاحب السلطان بالحكم بعد أن يكون قد تخلص ممن اشتركوا معه
في تأسيس الدولة (الثورة تأكل أصحابها) . وفي المرحلة الثالثة : تسود
الراحة والطمأنينة ، وتزدهر الدولة. وفي المرحلة الرابعة : تتحول الراحة
والطمأنينة إلى قناعة وسكون ومسالمة . وتأتي المرحلة الخامسة : تتمة
للمرحلة السابقة ونتيجة لها حيث تفقد الدولة هبتها فتتحلل وتزول .
وتتميز هذه الأطوار الخمسة بما يلي:
الطور الأول:طور الظفر والاستيلاء على الحكم.
الطور الثاني: طور الاستبداد والبطش.
الطور الثالث: طور الفراغ والدعة لتحصيل ثمرات الملك والتمتع بملذات
الدنيا، مما تنزع إليه طباع البشر من تخليد الأثر وتحصيل المال والإسراف
في الشهوات.
الطور الرابع: طور القنوع والمسالمة والسكون ، ويكون صاحب الدولة في هذا
مقتنعاً بما حقق سابقوه وما أنجزوه من أعمال فيتتبع آثارهم حذو النعل
بالنعل .
الطور الخامس: طور الإسراف والتبذير ، ويكون صاحب الدولة مخرباً لما كان
سلفه يؤسسون ، وهادماً لما كانوا يبنون، وفي هذا الطور تحصل في الدولة
طبيعية الهرم ، ويستولي عليها المرض المزمن الذي لا تكاد تتخلص منه.
فإذا كانت الدولة تمر بأطوار خمسة، فإنها لا تعدو ثلاثة أجيال، جيل
البداوة وجيل الحضارة وجيل الترف الذي تسقط في عهده الدولة.
الجيل الأول وهو جيل البداوة :يتميز السكان فيه بخشونة وشظف العيش
والبسالة والافتراس والتماسك والاشتراك في المجد، فلا تزال بذلك صورة
العصبية محفوظة فيهم ، والبدو هم المقتصرون على الضروري من العيش في
أحوالهم العاجزون عما فوقه، ولكن البدو سرعان ما يتطورون إذ يتحول حالهم
من البداوة إلى الحضارة والعمران بفعل الملك مع الجيل الثاني والحضارة
إنما هي تفنن في الترف وأحكام الصنائع المستعملة، وبناء القصور
والاستمتاع بأحوال الدنيا وإيثار الراحة على المتاعب، ولذلك يقول ابن
خلدون: إن من طبيعة الملك الدعة والسكون والترف الذي هو غاية الحضارة وهو
يزيد الدولة في بدايتها قوة، إذ تتباهى المجتمعات المتحضرة به ولكنه
أيضاً هو العلة الأساسية لبداية الانحلال، وهو المؤذن بخراب العمران.
فالحضارة تفسد طباع البداوة إذ يتجه أصحاب الدولة إلى الإسراف في التنعم
ويزهدون في العمل ويركنون إلى الدعة والسكون ويخلدون إلى الراحة والشراب
ويكثرون من النساء فتزول هيبة السلطة من النفوس وتكثر القلاقل والفتن
وتظهر المعارضة ويتقوى الأعداء فيفلت زمام الأمور وتبدأ الدولة في السقوط
فتظهر جماعة أخرى من البدو تسعى إلى الملك والريادة فتحل محلهم.
فالترف مظهر الحضارة، وهو هادمها أيضاً وهو غاية العمران ولكنه مؤذن
بنهايته أيضاً، فالحضارة غاية العمران ونهاية لعمره وإنها مؤذنة بفساده.
وقد اكد رسول الله (صل الله عليه وسلم) هذه السنّةْ
للدورة الحضارية
الخالدة ، فقال: " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم "
. وتتجلى آثار الحضارة المفسدة للعمران في حياة البذخ والترف إذ سرعان ما
ينسى سكان الجيل الثالث عهد الخشونة والبداوة فيفقدون بذلك حلاوة العز
والعصبية بما هم فيه من ملكة القهر ويبلغ فيهم الترف غايته فتفسد أخلاقهم
وطباعهم فينقلب التناصر إلى تنافر والتعاضد إلى تخاذل والكفاح المشترك من
أجل المصلحة المشتركة إلى نزاع وصراع من أجل مكاسب شخصية ومصالح خاصة ،
فيظهر الظلم إلى جانب الترف ، وهما مظهران من مظاهر خراب العمران وسقوط
الدولة والى ذلك يشير قوله تعالى: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا
مترفيها ففسقوا فيها فحق عليهم القول فدمرناها تدميراً). سورة الإسراء،
الآية 16.
خلاصة القول ، أن الحضارة عند ابن خلدون طور طبيعي ، فالتمدن غاية
البداوة ، ولكن البدو عندما يتطورون في أساليب العيش ويتقدمون في الصنائع
فإنهم ينتهون إلى الفناء، لأن الحضارة تحمل في طياتها بذور الفساد ،
فتهرم الدولة وتسقط، والهرم عند ابن خلدون مسالة طبيعية في الدولة إذ
يقول: وهو من الأمراض المزمنة التي لا يمكن دواءها ولا ارتفاعها لندها
أنه طبيعي والأمور الطبيعية لا تتبدل وهكذا تفسح الدولة المنهارة المجال
لقيام دولة جديدة تمر بنفس الأطوار والمراحل.
وينظر البعض إلى وصول عناصر غير عربية من الفرس وغيرهم إلى
السلطة باعتباره عاملاً من العوامل السياسية التي أسهمت في الانحطاط ،
والسبب في رأيهم أن أمثال هؤلاء من الفرس والديلم والمماليك والأتراك
وغيرهم هم ممن لم
يتذوقوا طعم الإسلام الصحيح ، ولم تشرق قلوبهم بأنوار القرآن لصعوبة
إدراكهم
لمعانيه ، مع أنهم يقرءون -أي الخلفاء- الذين استخدموا تلك العناصر في
الحكم قول الله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم
لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي
صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم
تعقلون) 118- آل عمران.
وقد أكد الله تعالى في كتابه العزيز ان التغيير نحو الأحسن لا يحصل
إذا لم يكن العدل لدى القائمين بالأمر سائدا تجاه الرعية . قال تعالى :
(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) سورة الرعد.
عليك
بتقوى الله ان
كنت غافلا ... يأتيـك بالارزاق من حيث لا تدرى
فكيف تخاف الفقر والله رازقا
... ..فقد
رزق الطير والحوت فى البحر
ومن ظن ان الرزق يأتى بالقوة ... ما أكل
العصفور شيئا مع النسـر
تزول من الدنيا كأنك لاتدرى أن ... جن عليك الليل هل تعيش
الى الفجر
فكم من صحيح مات من غير علة ... وكم سقيم عاش حيناً من الدهـــر
ومن عاش ألفاً او
الفــــين . .. فلابد من يوم يسير الى القبــــر
|