منتدى موقع التاريخ

الموصل وحلب

قراءة في أوجه التماثل الحضاري

د. ياسر المشهداني

جامعة الموصل - كلية التربية / قسم التاريخ


        قد تشترك عدد من المدن العربية بصفات متقاربة في بعض المظاهر الحضارية وقد تختلف في مظاهر أخرى ، ويأتي ذلك التشابه أو الاختلاف تبعا للتقارب الجغرافي أو التأثير المتبادل أو تشابه الإرث الحضاري القديم والمتوارث عبر الأجيال .

        وكدليل على ذلك لدينا مثالاً رائعا من الواقع جسّد تشابهاً في أغلب المظاهر الحضارية بين مدينتين عربيتين هما الموصل وحلب ، وسنستعرض هنا بإيجاز شيئاً عن تاريخهما العريق والذي يمكن من خلاله إفراز أهم عناصر أوجه التماثل الحضاري .

أولا : التقارب جغرافياً :

        تقع مدينة الموصل في الجزء الشمالي من القطر العراقي وتبعد عن العاصمة بغداد ما يقرب من 480 كم ، وقد حررها العرب المسلمون سنة (16هـ/637م) عندما أمر القائد سعد بن أبي وقاص بإرسال القائد عبد الله بن المعتم إلى الموصل بجيش قوامه خمسة آلاف مقاتل وبتوجيه من الخليفة عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) ، وكان في مقدمة هذا الجيش القائد ربعي بن الأفكل العنزي .

        أما مدينة حلب فتقع أيضاً شمال القطر السوري ويحدها من الشرق مدينة الرقة ، ومن الغرب مدينة اللاذقية ، ومن الجنوب مدينة حماه ثم حمص ثم دمشق العاصمة التي تبعد عنها حوالي 450 كم  ، وقد تم فتحها في السنة  14هـ/ 635م  في عهد الخليفة ابو بكر الصديق (رضي الله عنه) على يد القائد العربي أبو عبيدة بن الجراح ،  بعد ان كانت خاضعة للاحتلال الروماني ، فأصبحت رسمياً تابعة للدولة العربية الإسلامية .

 ثانيا : التقارب سياسيا :

        لقد مرّ على مدينتي الموصل وحلب الكثير من الحضارات وتتابع على حكمهما عدد من الأسر الإسلامية ، وكان لهما دوراً كبيراً في خدمة السلطة المركزية في أحايين كثيرة ، ولعل أنضج مرحلة تقاربت فيها المدينتان وشكلتا ثنائية سياسية وحضارية معاً هي مرحلة حكم الحمدانيون ، وهم سلالة عربية حكمت شمال العراق وسوريا (حلب ومنطقة الجزيرة) في الفترة  (317-399هـ/ 929-1009م) ، وتعود تسميتهم إلى حمدان بن حمدون الذي كان عاملاً على الموصل للخليفة المعتضد بالله العباسي. وقد ولى العباسيون الحمدانيين على الموصل والجزيرة والشام ، ثم استقل الحمدانيون عن الدولة العباسية بقيادة ناصر الدولة الحسن بن عبد الله الحمداني ( 317 – 358هـ/ 929- 969م ) في سوريا ، وبقي ولاة الحمدانيين في الموصل موالين للخليفة في بغداد.

        كما قدمت المدينتان فضلاً عن ذلك خدمات جليلة إلى الخلافة العباسية خاصة ما يتعلق بأدوارها الحربية والعسكرية كالقضاء على عدد من الحركات المناوئة (الخوارج والقرامطة فضلا عن التحدي الخارجي المتمثل بالصليبيين) وقد ساعدهما في ذلك موقعهما الحصين والمتميز والولاء للسلطة المركزية .

        ومن خلال هذه الحقبة الزمنية تحت حكم الحمدانيين يلاحظ توحد المدينتين وارتباطهما بمصير واحد مشترك ووجود نظم سياسية وإدارية متماثلة ، وأن كل ذلك قد أدى الى ترسيخ الصلات الحضارية آتية الذكر ادناه .

ثالثا : التقارب ثقافياً :

        اهتم الحمدانيون أكثر من غيرهم بالجوانب الثقافية والعلمية والدينية أثناء حكمهم لمدينتي الموصل وحلب فأنشأوا عدداً من المساجد والمدارس فيهما على نفس الطراز تقريباً ، كما شجعوا العلماء على تقديم المزيد من العطاء العلمي فظهر نتيجة ذلك العديد من المؤلفات في مختلف العلوم العقلية والنقلية . ومن يقلِّب صفحات التاريخ يجد مجالس سيف الدولة الحمداني - الذي ضم حلب وحمص إلى سلطانه ، وأمضى معظم فترة حكمه في غزو البيزنطيين - تضم أولئك المشهورين في تاريخ الحضارة الإسلامية وعلى رأسهم الشاعر أبو الطيب المتنبي الذي كتب في بلاطه أشهر قصائده ، والمؤرخ أبو الفرج الأصبهاني صاحب كتاب الأغاني، والخطيب الفصيح ابن نباتة ، ولا ننسى ذكر الفارابي الفيلسوف المشهور وأراءه في المدينة الفاضلة الفارابي ، وكذلك الشاعر أبو فراس الحمداني، ابن عم سيف الدولة .

رابعا : التقارب اجتماعياً :

       من أمثلة التقارب الاجتماعي بين الموصل وحلب هو تركيبة المجتمعين ومكوناتهما الإثنية ، فمثلما ضم المجتمع الموصلي في نسيجه الاجتماعي على جميع ألوان الطيف المذهبي والعشائري والديني فأن المجتمع الحلبي هو الآخر جمع بين ثناياه عدداً من الأقليات والقوميات المختلفة فضلاً عن اتباع الديانة المسيحية .

      ويجدر بالذكر هنا أن التعايش السلمي والأخوي هو السائد في الحياة الاجتماعية العامة في المدينتين ، ويشهد على ذلك تداخل العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع الواحد ونجاح الحياة الاقتصادية وانغراس الروح التعاونية والمحبة في نفوس العامة أثناء التعاملات اليومية .   

      ومن أوجه التشابه الأخرى ما يتعلق باللهجة المحلية المتقاربة إلى حد كبير ، وكذلك في بعض الأكلات الشعبية المشهورة كـ(الكبة والدولمة والمخلللات والحلويات) وغيرها .

     وأخيراً ، يجدر بالذكر أن العلاقات الحضارية العريقة بين المدينتين عادت إلى ما كانت عليه بعد انقطاع دام عقوداً طويلة ، خاصة بعد أن أعيد تأهيل خطّ سِكَّة حَدِيدِ  للقطار بين مدينة حلب ومدينة الموصل وامتد لأكثر من 465 كم  والذي كان قد شُيِّد منذ عام 1940م، وقُطِعَ في عام 1982م .


المقالات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبيها

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا