منتدى موقع التاريخ

في تأريخية الكوارث والحوادث الطبيعية

في العصور الوسطى الإسلامية

د. فخري الوصيف


القحط أو الجدب ، أي احتباس المطر وما قد يؤدي إليه من مجاعات ، والسيول والفيضانات ، وتساقط البَرَد والثلج ، والزلازل ، والعواصف والصواعق ، وغارات الجراد والآفات ، والأوبئة ، والحرائق ، هي مصائب تلحق أشد الأذى بحياة الإنسان ووسطه الاجتماعي وبيئته الطبيعية ، وتسبب ما اصطلح على تسميته بـ"الكوارث" .  ويتصل بذلك "الحوادث الطبيعية" ، ومادتها الظواهر الفلكية من خسوف وكسوف وتساقط نجوم ، وكذلك التقلبات المناخية المفاجئة من ثلج أو مطر في الصيف ، وشدة الحرّ أو قسوة البرد ، وغير ذلك من حوادث طبيعية كان الإنسان في العصور الوسطى يقف حيالها ، ولا يزال ، حائرا في تأويلها ، فهي إما نذر شر في أغلب الأحيان أو بشارات خير في بعضها الآخر .

ولقد حظي موضوع "الكوارث" و"الحوادث الطبيعية" باهتمام مؤرخي الإسلام ، ولكن تفاوتَ الاعتناء بالموضوع وكيفية التأريخ له من عصر إلى أخر ، ومن مؤرخ إلى مؤرخ ، ومن جنس إلى جنس تأريخي ، وذلك هو ما نبغي دراسته في موضوع تأريخية الكوارث والحوادث الطبيعية .

*****

المؤلفات التاريخية الأولى

يحتل الموضوع بشقيه مرتبة هامشية في المؤلفات الأولى في تاريخ الإسلام حتى منتصف القرن الثالث الهجري ، وهو أمر طبيعي ، لأن الاهتمام التأريخي خلال تلك الفترة تمحور حول السيرة النبوية وتراجم الصحابة والتابعين والفتوح الإسلامية ، ثم الأحداث التاريخية الكبرى مثل الفتنة ، وثورات الخوارج والشيعة ، وتأسيس الدولتين الأموية والعباسية ، إلى جانب أحداث سياسية أخرى ؛ ومن ثمَّ شغلت أخبار الكوارث والحوادث الطبيعية حيزا ضئيلا ، فهي تكاد تنحصر في ذكر عدد من القحوط والطواعين ، كعام الرمادة بالمدينة سنة 18هـ (= 639م) ، وطاعون عـَمـَواس بالشام في نفس العام المذكور ، وبعض الطواعين الأخرى التي وقعت بالعراق والشام ، إلى جانب سيل الجـُحاف بمكة سنة 80هـ (= 699م) .  ونجد مصداق ذلك واضحا فيما وصلنا من كتابات ابن إسحاق (ت 151هـ = 768م) والواقدي (ت 207هـ = 823م) وابن هشام (ت 213هـ = 828م)  ومحمد بن سعد (ت 230هـ = 845م) وابن خيـّاط (ت 240هـ = 855م) وابن قتيبة (276هـ = 889م) ، والبلاذري (ت 279هـ = 892م) وأبي حنيفة الدينوري (ت 282هـ = 895م) .

بيد أن هذه الكتابات ، وعلى وجه الخصوص المتعلقة منها بالسيرة النبوية وصدر الإسلام ، لها أهمية خاصة في تأريخية الكوارث والحوادث الطبيعية من جهتين ، الأولى : أنها برصدها لبعض الكوارث والحوادث الطبيعية تقدم السياق التاريخي الذي تأسس عليه بعض قواعد السنة مثل صلاة الاستسقاء وصلاة الكسوف . فقد سنت صلاة الاستسقاء بعدما استسقى رسول الله (ص) بالناس على إثر شكوى أهل المدينة إليه من الجدب الذي أضر بالمدينة في العام السادس من الهجرة[1] ، وتكرر ذلك على عهد عمر بن الخطاب إبان عام الرمادة سنة 18هـ ، فاستسقى تأسيا بفعل رسول الله (ص) وكتب إلى عماله أن يخرجوا أيضا لذلك[2] ، وأصبحت صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة . وكذلك سُنت صلاة الخسوف في العام العاشر من الهجرة عندما تناهي إلى سمع رسول الله (ص) أن الناس تقول إن الشمس انكسفت بموت ابنه إبراهيم ، فقال : "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياة أحد ، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى المساجد"[3].

ومن جهة ثانية ، نجد بدايات الأسلوب الوصفي التأثيري في السرد التأريخي لعدد من وقائع السيرة ، نذكر منها فيما يخص موضوعنا واقعة حصار كفار قريش للرسول (ص) وقومه بني هاشم في شِعْبهم . بدأ الحصار في العام السادس من المبعث ، واستمر الحصار ثلاث سنين "حتى بلغ القوم الجهد الشديد وحتى سمعوا صبيانهم يتضاعون من وراء الشـِعب"[4] ، وليس أكثر إيلاما على قلب إنسان طبيعي من سماع صراخ طفل شاكيا من الجوع ، ولهذا كان عدد من كفار قريش يرق لحال الصبيان ويحتال لإدخال الطعام للمحصورين[5] ، واستمر هكذا الحال حتى انتهي الحصار كما هو معلوم . كما تكثر العناصر التأثيرية في التأريخ لعام الرمادة ، وهي لاشك أداة تساهم في إبراز عمق الكارثة التي استمرت قرابة تسعة أشهر . من ذلك على سبيل المثال ما ذكر من شدة الجوع "حتى أن الناس كانوا يُـرَوْن يـَسْتـَفـّون الرمّة ويحفـِرون نـُفـَق اليراببع والجُـرْذان يـُخرجون ما فيها"[6] ، ويأكلون "جلد الميتة مشويا" "ورمّة العظام مسحوقة كانوا يـَسُـفـّونها"[7]. وأيضا نجد في هذه الكتابات الربط بين الحدث الطبيعي والحدث البشري كما بينا أعلاه فيما قيل عن انكساف الشمس بموت ابن رسول الله .

 ورغم أن ابن واضح اليعقوبي (ت بعد سنة 292هـ = 905م) يقع في النطاق الزمني لأصحاب الكتابات التاريخية الأولي ، فإن "تاريخه" تفرد بذكر إشارات مهمة عن الكوارث والحوادث الطبيعية . على سبيل المثال يقول[8] :

1-                                           في سنة 20هـ (= 640-641م) "كانت زلازل لم يُرَ مثلها" .

2-                      وفي آخر سنة 168هـ وأوائل سنة 169هـ (= 784-785م) أصاب الناس "وباء وموت كثير وظلمة وتراب أحمر كانوا يجدونه في فرشهم وعلى وجوههم" .

3-                      وفي سنة 257هـ (= 871م) "كانت في السماء نار عظيمة أخذت من المشرق إلى المغرب" ، وبعد أن جلت تلتها مع مطلع فجر الثالث والعشرين من رجب ، المقابل لحزيران "هدّة شديدة وزلزلة" .

4-                      في سنة 258هـ (= 871-872م) "وقع الوباء بالعراق ،فمات خلق من الخلق ، وكان الرجل يخرج من منزله فيموت قبل أن ينصرف ، فيقال إنه مات ببغداد في يوم واحد اثنا عشر ألف إنسان" .

5-                      وفي سنة 259هـ (= 872-873م) ، على الأرجح في أولها ، وقعت زلازل ورياح وظلمة" في البادية الواقعة حول المدينة ومكة ، فهرب أهل البادية إلى الحاضرتين يستجيرون بقبر رسول الله وبالكعبة ، وذكر أنه "هلك منهم خلق عظيم في البادية" .

6-                      وفي نفس العام المذكور ، 259هـ ، "تغير ماء نيل مصر حتى صار يضرب إلى الصفرة ، وأقام على هذه الحال أياما ثم رجع إلى ما كان عليه" .

وأول ما يلاحظ على الأخبار المذكورة أن اليعقوبي لم يذكر مصادرها ، وهي سمة عامة في تاريخه ، وهو وإن لم يذكر أماكن وقوع الأحداث في الأخبار الثلاثة الأولى ، وإن كان من المتوقع أنها كانت بالمشرق ، فإنه أثبتها في الأخبار الثلاثة الباقية ، كما يلاحظ أنه راعي كثيرا التدقيق الزمني للحدث الثالث حتى أنه ذكر الشهر المقابل من التقويم الميلادي ، ولعل هذا سببه أنه كان معاصرا للحدث . وكما هو واضح ، يصطنع اليعقوبي في عرضه أسلوبا تقريريا يتسم بالوضوح والمباشرة .

*****

كتب الطبقات والسير والوفيات :

"وفيات الأعيان" لابن خلكان

تشتمل المؤلفات التاريخية سابقة الذكر على أوليات جنس تأريخي فريد عني بسِيـَر رواة الحديث ، وهو ما اصطلح على تسميته بـ "علم الرجال" على نحو ما يشهد عليه "كتاب الطبقات" للواقدي ، و"طبقات ابن سعد" ، و"طبقات ابن خيـّاط" ، ثم تطور هذا الضرب من التأريخ تطورا مذهلا على مدى القرون اللاحقة ليشمل الترجمة للأعلام في شتى مناحي الحياة العقلية مثل الحديث والفقه ، اللغة والنحو والأدب ، التصوف والفلسفة ، الطب والعلوم ، إلى جانب السياسة والحرب ، وعلى امتداد جغرافية العالم الإسلامي في العصور الوسطى . ولما كانت كتب الطبقات والسـِّيـَر والوفيات تـُعـْني في الأساس بسيرة حياة فرد ، فإن أخبار الكوارث والحوادث الطبيعية  – في حالة ورودها – تأتي عرضا في ثنايا الترجمة ، وحسب حساسية المؤرخ ومنهجه من حيث الإسهاب أو الاختصار . ولهذا يمكننا أن نقول ، بناء على فحصنا لعدد معقول من هذه الكتب ، أن المادة المتعلقة بموضوعنا فيها قليلة ، ومقتضبة في غالبيتها ، باستثناء عدد محدود منها مثل "طبقات ابن سعد" و"تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام" للذهبي (ت 748هـ =1348م) و"شذرات الذهب في أخبار من ذهب" لابن العماد الحنبلي (ت 1089هـ = 1679م) . ومع ذلك ، فلا يمكن إغفال المادة الواردة في هذه الكتب خاصة في أمرين ، الأول : ضبط وتحقيق التاريخ الزمني لبعض أخبار الكوارث ، فعلى سبيل المثال ، يذكر الطبري (ت 310هـ = 923م) وقوع الطاعون بالبصرة سنة 130هـ[9] ، بينما يشير ابن سعد إلى أنه وقع سنة 131هـ[10]. والثاني ، وهو أمر هام ، وهو يتعلق بتاريخ الأوبئة ، فكثيرا ما يشير المؤرخ إلى الوباء وتاريخ حدوثه وإلى إشارات أخرى تتصل بذلك إذا كان من يترجم له قد مات ضحية وباء . وتوجد أمثلة عديدة لذلك كما في "طبقات ابن خياط" ، و"عيون الأنباء في طبقات الأطباء" لابن أبي أصيبعة (ت 668هـ = 1270م) ، و"الإحاطة في أخبار غرناطة" للسان الدين ابن الخطيب (ت 776هـ = 1374م) ، و"الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة" و"إنباء الغمر بأبناء العمر" لابن حجر العسقلاني (ت 852هـ = 1449م) و"الضوء اللامع لأهل القرن التاسع" لشمس الدين السخاوي (ت 902هـ = 1497م) ، وغيرها .

ويعدّ كتاب "وفيات الأعيان" لابن خلكان (ت 681هـ = 1282م) خير مثال على ما ذكرنا ؛ فهذا الكتاب المهم والشهير شحيح في مادة الكوارث والحوادث الطبيعية خاصة إذا أخذنا في الاعتبار حجم المادة الهائل الذي يرد بين دفتيه . وبالإضافة إلى ذلك ، فإن ابن خلكان لم يكن متوازنا في عرض أخباره الضئيلة عن الموضوع على تراجم الكتاب ، ففي ترجمته للخليفة المستنصر الفاطمي يأتي على ذكر المجاعة الشهيرة الواقعة في عهده بمصر[11] ، بينما في ترجمته للملك العادل الأيوبي لا يشير إلى المجاعة الشهيرة التي وقعت على عهده بمصر في سنتي 597 و598هـ (=1200-1201م)[12]. بيد أنه على الأرجح يشير إلى هذه المجاعة في ترجمته للقاضي الأسعد ابن مـَمّاتي (ت 608هـ) حيث يقول "إنما قيل له مماتي لأنه وقع في مصر غلاء عظيم ، وكان كثير الصدقة والإطعام ، وخصوصا لصغار المسلمين ، فكانوا إذا رأوه ناداه كل واحـد منهم مـمّـاتي"[13] . وفي تأريخيته لأخبار الكوارث يستخدم ابن خلكان صياغة تقريرية مثل قوله عن مصر على أواخر الدولة الإخشيدية عندما غزاها جوهر الصقلي سنة 358هـ (= 969م) أنه كان بها "غلاء عظيم ووباء ، حتى مات في مصر وأعمالها في تلك المدة ستمائة ألف إنسان على ما قيل"[14] ، وقوله في ترجمة بهاء الدين زهير أنه حدث بمصر في الرابع والعشرين من شوال سنة 656هـ (=1161م) "مرض عظيم لم يكد يسلم منه أحد" راح ضحيته المترجم له[15]. ولكنه لا يتردد في استخدام الصياغة الوصفية التأثيرية في صياغته لخبر المجاعة في مصر على عهد المستنصر الفاطمي ، فيقول : "حدث في أيامه الغلاء العظيم الذي ما عهد مثله منذ زمان يوسـف عليـه السلام ، وأقام سبع سنين ، وأكل الناس بعضهم بعضا ، حتى قيل إنه بيع رغيف واحد بخمسين دينارا ، وكان المستنصر في هذه الشدة يركب وحده ، وكل من معه من الخواص مترجلون ليس لهم دواب يركبونها ، وكانوا إذا مشوا تساقطوا في الطرقات من الجوع ، … وآخر الأمر توجهت أم المستنصر وبناته إلى بغداد من فرط الجوع"[16]، ولعل هذا بتأثير المؤرخين السابقين عليه مثل ابن الأثير (ت 630هـ = 1234م) وسبط ابن الجوزي (ت 656هـ = 1257م) اللذيـْن استقى منهما على الأرجح النص المذكور .

*****

كتب التاريخ العام

وتظلّ كتب التاريخ العام ، خاصة المعروفة منها  بكتب "الحوليات" ، المصدر الأساس لموضوع الكوارث والحوادث الطبيعية على مدى العصور الوسطى الإسلامية ، بدءا من كتاب "تاريخ الرسل والملوك" للطبري ، ونهاية بـ"بدائع الزهور في وقائع الدهور" لابن إياس (ت بعد سنة 928هـ = 1522م) ، ولهذا سنستعرض في السطور التالية عددا من هذه الكتب بقصد التعرف على تأريخية الموضوع عند ثلة من المؤرخين في العصور الوسطى الإسلامية .

 

"تاريخ الرسل والملوك" للطبري

يُعدّ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري أول من اهتم برصد الكوارث والحوادث الطبيعية رصدا حوليا مرتبا على سنوات الهجرة ، وهو النهج الذي اتبعه في كتابه العتيد "تاريخ الرسل والملوك" . ورغم أنه استعار – على الأرجح – هذه الطريقة من مؤرخين سابقين عليه مثل الأخباري الهيثم بن عديّ (ت 206هـ = 821م) والواقدي ، ورغم أنه نقل عن هذا الأخير وعن تلميذه محمد بن سعد بعض أخبار الكوارث والحوادث الطبيعية ، فإن للطبري فضل التنسيق والترتيب فيما أخذ عنهما ، وفضل الانفراد بإيراد أخبار أخرى باعتماده على مصادر أخرى لاحقة ، وعلى كتب البريد ، وعلى مشاهداته ومعلوماته الخاصة في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري وحتى آخر سنة 302هـ (= 915م) ، وهو العام الذي أنهى فيه كتابه .

رصد الطبري كل أنواع الكوارث المعروفة باستثناء غارات الجراد على طول القرون الثلاثة الأولى من الهجرة بداية من السنة السادسة ، التي فيها "أجدب الناس جدبا شديدا ، فاستسقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان بالناس"[17]، وانتهاء بسنة 301هـ (= 913م) ، وهو العام الذي وقع فيه الوباء ببغداد ، وكان هو شخصيا شاهدا عليه . ومع ذلك ، فإن من المناسب أن نبين أن النطاق الجغرافي لحوادث الكوارث حسب تاريخ الطبري جاء محدودا ، فاغلبها يتركز في العراق والشام وفارس ، وجاء نصيب مصر وإفريقية منها ضئيلا ، والأندلس معدوما .

والطبري صادق أمين كما هو معروف عنه ، فيذكر الروايات المتعددة بأسانيدها كما يتضح في عرضه لطاعون عَـمَـواس وعام الرمادة في سنة 18هـ[18]. وإذا نقل الخبر عن مؤلف سابق عليه ذكر اسمه ، وفي حالة حصوله على الخبر من سماع الثقات أو من البريد يستفتح الخبر بعبارات من قبيل : "وردت الأخبار" ، أو "ورد الخبر" ، أو "ورد كتاب من …" ، أو "وفيها كتب صاحب البريد من …" ، أو "ورد كتاب من ناحية …" ، وفي حالة عدم اليقين يستخدم عبارات من قبيل : " ُذكر" ، أو "فيما ُذكر" ، وفي مرات قليلة لا يذكر مصدر الخبر خاصة إذا كان هو بشخصه شاهدا عليه .

وفي أغلب الأحوال يصطنع الأسلوب التقريري حين يذكر خبر كارثة من الكوارث ، حتى حين يكون معاصرا له وشاهدا عليه ، فعلى سبيل المثال يسوق خبر الوباء المشار إليه آنفا هكذا : "وفيها كثر أيضا الوبـاء ببغداد ، فكـان بها منـه نوع سمّوه حَنينا ، ومنه نوع سمّوه الماسرا ؛ فأما الحنين فكانت سليمة ، وأما الماسرا فكانت طاعونا قتالة"[19]، وكقوله : "وفيها كثرت الأمراض والعلل ببغداد ، وفشا الموت في أهلها ، وكان أكثر ذلك – فيما قيل – في الحربية وأهل الأرباض"[20]. بل أحيانا يلقي علينا الخبر بشكل بَرْقِيّ مثل قوله عن طاعون وقع بالشام سنة 115هـ (=733 م) "وفيها وقع الطاعون بالشام"[21]. ولهذا قلما نستطيع أن نستبين مشاعره وأحاسيسه . ولكنه أحيانا أخرى يكشف عن صوته الخاص في شكل تعليق مختصر ورصين دون مبالغة ، مثل قوله : "أصابت الناس مجاعة شديدة ولـَزْبة ، وجُدوب وقحوط ، وذلك هو العام الذي يسمّى عام الرمـادة"[22]، وهو تعليق – كما نرى – كاشـف عن حجم الكارثة ولكن دون تجاوز .

وفي حالة نادرة يسوق إلينا الطبري خبرا كارثيا بأسلوب تأثيري ، فيذكر أنه حينما شدَّد أبو أحمد الموفق طلحة ، أخو الخليفة المعتمد على الله (256-279هـ = 870-892م) ، الخناق على صاحب الزنج فألجأه إلى الاعتصام بأحد المواضع في أغوار نهر أبي الخصيب بجنوب العراق في سنة 269هـ (= 882م) ، وانقطعت عنه الميرة ، وغلا سعر القمح عند المحصورين "فأكلوا الشعير ، ثم أكلوا أصناف الحبوب ، ثم لم يزل الأمر بهم إلى أن كانوا يتبعون الناس ؛ فإذا خلا أحدهم بامرأة أو صبي أو رجل ذبحه وأكله ، ثم صار قـَويّ الزنج يعدو على ضعيفهم ؛ فكان إذا خلا به ذبحه وأكل لحمه ؛ ثم أكلوا لحوم أولادهم ، ثم كانوا ينبشون الموتى ، فيبيعون أكفانهم ويأكلون لحومهم ، وكان لا يعاقب الخبيثُ أحدا ممن فعل شيئا من ذلك إلا بالحبس ، فإذا تطاول حبسُه أطلقه"[23] .

ولا يصرح الطبري بسند الخبر المذكور ، وبدلا من ذلك يستخدم صيغـة المبنـي للمجهول : "وُذكر أن …" ، ومع ذلك يبدو لنا أن النص منقول ، وعلى الأرجح عن محمد بن الحسن المعروف بـشَـيْلمة الكاتب ، المصدر الأساس الذي يأخذ عنه مؤرخنا أخبار صاحب الزنج ، فأسلوب النص يشبه النصوص الأخرى المنقولة عنه . وأيا كان الأمر ، فإن الطبري لم يتردد في إثبات النص المذكور ، وكأنه لاقى هوى في نفسه .

والملفت للنظر أن الطبري ، وهو المحدِّث والمفسر ، لم يتطرق أبدا إلى تفسير وتعليل الكارثة أو الحدث الطبيعي تفسيرا دينيا أو غيبيا ، فعلى سبيل المثال ، لا يعلق على خبر نقله عن الواقدي بأنه في سنة 19 هـ (= 640م) "سالت حـَرّة ليلى بالمدينة نارا ، فأراد عمر الخروج إليها بالرجال ، ثم أمرهم بالصدقة فانطفأت"[24]. والحرة المذكورة موضع بركاني كان ينشط من حين لآخر ، وهذا ما تكرر بالفعل عام 654 أو 655 هـ (= 1159 أو 1160م) على ما يذكر أبو الفدا (ت 732هـ = 1331م) : "وكان لها بالليل ضوء عظيم يظهر من مسافة بعيدة جدا"[25] ، ولكن لم يتردد هذا المؤرخ الأخير في تفسير الظاهرة تفسيرا دينيا بقوله : "ولعلها النار التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم من علامات الساعة ، فقال : نار تظهر بالحجاز تضيء منها أعناق الإبل ببصرى"[26].  وفي خبر آخر يذكر الطبري أن قحطا شديدا وجوعا وقعا بكورة مرو سنة 115هـ (= 733م) ، فكتب والي خراسان الجُـنـَيـْد بن عبد الرحمن المري إلى باقي الكور لنجدة الكورة المنكوبة : "إن مرو كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله ، فاحملوا إليها الطعام"[27].  وكما ُيرى ، يعتقد الوالي أن المجاعة عقاب إلهي وقع على أهل مرو ، ولكن الطبري الرصين توقف عن التعليق . 

والتزم الطبري نفس الموقف في ذكره للحوادث الطبيعية من خسوف وكسوف ورعود وصواعق ، وحرّ لافح  أو برد قارس ، وغير ذلك ، فكثيرا ما كانت تؤثـر هذه الحوادث في الناس ، بل إن بعضها كان يثير رعبهم مثلما وقع سنة 285هـ (= 898م) حسب ما جاء في كتاب صاحب البريد من الكوفة بأن "ريحا صفراء ارتفعت بنواحي الكوفة … ، فلم تزل إلى وقت صلاة المغرب ، ثم استحالت سوداء ، فلم يزل الناس في تضرع إلى الله"[28] . ورغم ذلك ، فالحدث الطبيعي غير المألوف ، وخوف الناس ، وتضرعهم إلى الله ، لم يحرك رغبة الطبري في التعليق الديني . وهو يلزم نفسه إلى حد الصرامة بهذا الموقف ، ففي خبر آخر يذكر لنا أن  المنجمين كانوا قد تنـبـؤوا بأن عام 284هـ (= 897م) سيشهد غرق أكثر الأقاليم ، خاصة إقليم بابل بالعراق ، وذلك يكون بكثرة الأمطار وزيادة المياه في الأنهار والعيون والآبار ، ولكن حدث عكس ذلك تماما ، إذ كان عام قحط ، فندر فيه المطر وحدث غؤور في مصادر المياه ، واستسقى الناس ببغداد مرّات عدة[29]، ومع ذلك لم يعلق الطبري بكلمة ولو على سبيل التندر أو المفارقة ، بينما لم يتردد مؤرخ آخر في التعليق قائلا : "وكذّب الله عزّ وجلّ خبر المنجمين"[30] .

 

"صلة" و"تكملة" "تاريخ الطبري"

يقودنا الحديث عن الطبري إلى منْ وصلوا تاريخه ، ولدينا اثنان : عَريب بن سعد القرطبي ومحمد بن عبد الملك الهمذاني . أما الأول ، فهو أندلسي ، توفي على الأرجح في الثلث الأخير من القرن الرابع الهجري (= العاشر الميلادي) ، له كتاب في التاريخ نـُشـِر جزؤه الخاص بالمشرق تحت عنوان "صلة تاريخ الطبري" ، وهو يبدأ بحوادث سنة 291هـ (= 903-904) وينتهي بسنة 320هـ (= 932م) ، وعلى مدى هذه المدة الزمنية ، حوالي ثلاثين عاما ، لم  يذكر من الكوارث والأحداث الطبيعية سوى ثلاثة أخبار ،  يعود الخبر الأول إلى سنة 296هـ (= 908م) ، وهو عن تساقط الثلج ببغداد "حتى صار في السطوح والدور منه نحو أربعة أصابع ، وذلك أمر لم يُرَ مثله في بغداد"[31] ، والخبر يكاد يكون نقلا حرفيا عن الطبري[32]. أما الخبران الثاني والثالث فلهما أهميتها لأنهما لم يردا في تاريخ الطبري ، فالثاني يرجع إلى سنة 297هـ (= 910م) ، وهو عن سيل عارم وقع بمكة تسبب في غرق البيت العتيق والطواف وفي فيضان بئر زمزم[33]؛ والثالث يرتد إلى سنة 300هـ (= 912-913م) ، وفيها انخسف جبل التل بالدينور ، وخرج ماء كثير من تحته غرقت فيه عدة قرى ، كما انخسفت قطعة عظيمة من جبل لبنان وسقطت في البحر[34]. وعريب فيما ذكره يسير على منوال الطبري في الابتعاد عن الأسلوب التأثيري ، ويفضِّل استخدام الأسلوب التقريري مع تعليق موجز من قبيل : "لم ُيرَ مثله" أو "لم ُيرَ من قبل" ، كما تجنب الخوض في أي تعليق ديني أو غيبي .

وأما الثاني ، محمد بن عبد الملك الهمذاني المتوفي سنة 521هـ (= 1127م) ، فقد وضع كتابا في التاريخ سمّاه "تكملة تاريخ الطبري" ، ومن أسف أن ما لدينا ونشر منه هو الجزء الأول فقط[35]، ومرد الأسف أن هذا الجزء الوحيد ، الذي يبدأ بحوادث سنة 295هـ (= 907-908م) وينتهي بحوادث سنة 367هـ (= 977-978م) ، يضم عددا معتبرا من أخبار الكوارث والحوادث الطبيعية ، الأمر الذي يجعلنا نتوقع أن باقي الكتاب كان يحتوي أيضا على مادة ثمينة عن هذا الموضوع . ويسير الهمذاني على نهج الطبري في اتباع الطريقة الحولية ، وتجنب التعليق على أخبار الكوارث ، أو الخوض في تفسيرها دينيا  أو غيبيا ، ولكنه يختلف عنه في توجيه مزيد من الاهتمام إلى المجاعات الواقعة ببغداد[36] ، فيشير إلى أسبابها المادية ، ويذكر تفاصيل بعضها ، خاصة حركة الأسعار وردود فعل العامة . غير أن أكثر ما يلفت الانتباه هو مزاوجته بين الأسلوب التقريري في عرض بعض أخبار الكوارث والوصف التصويري التأثيري في بعضها الآخر . فعلى سبيل المثال يقول في مجاعة حدثت ببغداد سنة 329هـ (= 940-941م)  "وكثر الموت حتى كان يُدفن الجماعة من غير غسل ولا صلاة ، وظهر من قوم فيهم دين وصدقة وعطف على الأحياء ، وتكفين الموتى ، وظهر من آخرين فجور ومنكرات"[37] ؛ وقوله في مجاعة ثانية وقعت سنة 331هـ (= 942-943م) : "وأغاث الله الضعفاء عند تعذر الخبز بجراد أسود ، فبيع كل خمسين رطلا بدرهم"[38] ؛ وحديثه عن مجاعة ثالثة لحقت بأهل بغداد سنة 334هـ (= 945-946م) : "وأكل الناس في يوم الغلاء النوى والميتة ، وكان يؤخذ البزر قـَطـُونا ويضرب بالماء ويبسط على طابق حديد ، ويوقد تحته النار ويؤكل ، فمات الناس بأكله ، وكان الواحد يصيح : الجوع ويموت ، ووُجِدت امرأة قد شوت صبيا حيا فقـُتِلت"[39] . وقوله أن في سنة 348هـ (= 959-960م) "كثر موت الفجأة بالطاعون ، فجلس أحد القضاة بسواده في الجامع ليحكم فمات ، وافتض رجل بكرا فمات على صدرها"[40] . ولا شك أن اصطناع الأسلوب الوصفي التأثيري من قبل الهمذاني في تأريخه للكوارث ، سواء كان أصيلا من عندياته أو منقولا من آخرين سابقين عليه ، يمثل تحررا نسبيا من الأسلوب التقريري الصارم للطبري في تأريخيته للموضوع .

 

"مروج الذهب" للمسعودي

اهتم أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي (ت 346هـ = 956م) ببعض جوانب الموضوع في كتب أخرى له لم تصلنا للأسف ، فهو في حديثه عن الزلازل في كتابه "التنبيه والإشراف" يذكر أنه قد تحدث من قبل عن "الزلازل وحدوثها والهدّات والخسوف وكونها فيما تقدم من كتبنا"[41] . كما أنه في الكتاب المشار إليه وفي نفس الموضع يشير إلى أنه زار أكثر المواضع المشهورة بكثرة الزلازل وعِظَمِها ، وهي ما يـُطلق عليها جغرافيا "حزام الزلازل" بالشرق الإسلامي ، كما يتحدث عن الزلزال الكبير الذي وقع في رمضان سنة 344هـ (= 956م) ببلاد الشام ومصر والمغرب في ساعة واحدة ، وفاجأه بينما كان بفسطاط مصر ، فيقول: "… لم أر أعظم أمرا من هذه الزلزلة ولا أطول مكثا ، وذلك أني تبينت تحت الأرض كالشيء العظيم يحاكُّها مارا تحتها وهازا ومحركا لها ، كأنه أعظم منها وكأنها كالنائبة عنه ، مع دوي عظيم في الجو"[42] .

أما في كتابه المعنيّ به هنا – "مروج الذهب" – فإن أخبار الكوارث والحوادث الطبيعية لا تزيد كثيرا في عددها على أصابع اليد الواحدة رغم طول النطاق الزمني الذي يؤرخ له ، والذي يمتد حتى سنة 345هـ (= 956-957م). ومع ذلك ، فإن تأريخه لخبرين من هذه الأخبار يثير الانتباه فيما يتصل بالصنعة التأريخية . إذ يستخدم وصفا تأثيريا مكثفا في حديثه عن كارثة الجوع التي ألمّت بأهل البصرة عندما دخل مدينتهم جيش صاحب الزنج في شوال سنة 257هـ (= 871م) ، فيذكر أنه عندما أعمل الجيش الغازي فيهم القتل والحرق والأسر ، اختفى كثير منهم خوفا "فكانوا يظهرون بالليل ، فيأخذون الكلاب فيذبحونها ويأكلونها ، والفيران ، والسنانـيـر ، فأفنوها حتى لم يقدروا منها على شيء ، فكانوا إذا مات منهم الواحد أكلوه ، ويراعي بعضهم موت بعض ، ومن قدر منهم على صاحبه قتله وأكله ، وعدموا مع ذلك الماء العذب"[43] .

وهو لا يكتفي بهذه الصورة الوصفية المؤثرة ، بل إنه يورد حكاية أكثر قسوة وأشد تأثيرا على لسان امرأة مفادها أن هذه المرأة ومعها نسوة حضرن احتضار امرأة ومعها أختها ، وكن ينتظرن موتها ليأكلن لحمها ، فما ماتت حتى قطعن لحمها وأكلنه ، ولم يتركن لأختها إلا رأسها ، فراحت تبكي وتشكي ظلمهن لها في أختها .  ويعلق المسعودي على الحكاية بقوله : "ومثل هذا كثير ، وأعظم مما وصفنا"[44]. وبالفعل قد وردت في مؤلفات أخرى سابقة على مروج الذهب مثل "تاريخ الطبري" الكثير من الفظائع التي أحدثها جيش صاحب الزنج بالبصرة[45]، ولكن لم ترد مثل هذه الصورة المأساوية عن الجوع التي أوردها المسعودي ، مما يرجح تفرده بروايتها وصياغتها .

وفي خبر آخر يذكر المسعودي أنه عندما توفي أحمد بن حنبل في شهر ربيع الآخر سنة 241هـ (= 855م) أشاعت العامة أن بموته أظلمت الدنيا ، ويضيف صاحب "المروج" أن عظيما من أشياع ابن حنبل كان يتقدم الجنازة وينادي بين الحين والآخر بأعلى صوته : "وأظلمت الدنيا لفقد محمد …  وأظلمت الدنيا لفقد ابن حنبل" ، ويفسر المسعودي ذلك بقوله إن الرجل "يريد بذلك أن الدنيا أظلمت عند وفاة محمد عليه الصلاة والسلام ، وأنها أظلمت عند موت ابن حنبل كظلمتها عند موت الرسول"[46]. ومما يجدر ذكره أن المسعودي يشير مباشرة بعد ذلك إلى أنه في ليلة الخميس 6 من جمادى الآخرة من العام المذكور "انقضت الكواكب الانقضاض الذي لم ير مثله"[47]، فهل أراد بشكل غير مباشر أن يربط ذلك الحدث الطبيعي بما وقع قبل ثلاثة اشهر على وجه التقريب من وفاة أحمد بن حنبل ؟ لا يمكن الجزم بذلك ، لأن المسعودي من جهة لم يربط صراحة بين الحدثين ، ومن جهة أخرى ، لأن العامة تحدثت عن إظلام وليس عن تساقط نجوم على ما أورد المسعودي .

ومن المألوف أن تميل العامة إلى الربط بين حدثين أحدهما بشري والآخر طبيعي على سبيل الكناية للدلالة على عظم أو أهمية الحدث الأول ، ولكن نقل المسعودي الخبر دون نقد له أو تعليق عليه ربما يشير إلى ميله الشخصي إلى الربط . ويرجح ذلك الميل ما يذكره بأنه في سنة 323هـ (= 935م) حدث "انقضاض لكوكب عظيم هائل" ، وأنه وقع في نفس الليلة التي هاجم فيها القرامطة ركب حجاج العراق المتجه إلى مكة على طريق الكوفة[48] . أي أن النص ربط مباشرة وصراحة بين حدث طبيعي وآخر سياسي ، والراجح أن المسعودي نفسه هو مصدر الخبر بشقيه ، فقد كان معاصرا للحدث السياسي المذكور ، ولم يذكره أحد من السابقين عليه ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى ، كان المسعودي جغرافيا وفلكيا إلى جانب كونه مؤرخا ، وبالتالي ، فإليه أيضا يمكن أن يُعزى الربط بين الحدثين ، وعنه نقل ابن الأثير الخبر بشقيه[49] .  وأكثر ما يعنينا هنا أن المسعودي استخدم أداة "الربط" بين الحدثين في تأريخه للخبر ، وقد يكون اصطناعه لهذه الوسيلة مجرد تسجيل لمفارقة أو ملاحظة ، ولكن أيا كان الأمر فان صياغة الخبر على النحو المذكور ينقل إلى القارئ إحساسا بعظم الحدث السياسي وفداحته متمثلا في الاجتراء على رَكْب الحجاج .

وخلاصة القول : إن المسعودي رغم ضآلة ما ذكره من مادة الكوارث في كتابه "مروج الذهب" ، فإنه عند صياغته لأخبار تتصل بهذا الموضوع يستخدم أداتين تأريخيتين وهما : الوصف التأثيري ، والربط بين ما هو حدث بشري وما هو حدث طبيعي ، وهما أداتان تثيران حساسية المتلقي أو القارئ تجاه الخبر المؤرَّخ له .

 

"المقتبس" لابن حيان القرطبي

            ثمة اختلاف في ذكر العنوان الكامل للكتاب المذكور ، ولكن الصورة المثبتة هي الشائعة بين المؤرخين[50] . و"المقتبس" ، حسبما يرى الأستاذ الدكتور محمود مكي[51] ، هو جزء من "التاريخ الكبير" للمؤرخ الأندلسي أبي مروان حيان بن خلف بن حيان القرطبي (ت 469هـ = 1076م) ، أو "تاريخ ابن حيان" ، الذي يضم إلى جانب "المقتبس" ثلاثة كتب أخرى ، وهي "أخبار الدولة العامرية" و"المتين" و"البطشة الكبري". ومن أسف أن الكتاب الأول لم يصلنا كاملا ، وكذلك ضاعت الكتب الثلاثة الأخرى ، ولكن يخفف قليلا من الأسف أن نصوصا منها قد جاءت في تضاعيف بعض المؤلفات الأدبية والتاريخية مثل "الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة" لابن بسام (ت 542هـ = 1147-1148م) و"المغرب في تاريخ المغرب" لابن عذاري (ت في الربع الأول من القرن الثامن الهجري = الربع الأول من الرابع عشر الميلادي) ، و"تاريخ الأعلام" لابن الخطيب ، وغيرها . ويتفق "تاريخ ابن حيان" في جزء من برنامجه مع كتب الحوليات من حيث التأريخ على حسب السنين ، ولكنه يختلف عنها في اقتصاره في النطاق الجغرافي على الأندلس فحسب ، وفي إطاره الزمني علي التاريخ منذ فتح الأندلس (92هـ = 711م) حتى قرب وفاة ابن حيان ، أي إلى منتصف العقد السابع من المائة الخامسة من الهجرة (= أواخر الربع الثالث من القرن الحادي عشر الميلادي) ، و"المقتبس" باعتباره الكتاب الأول من هذا "التاريخ الكبير" يتوقف عند نهاية خلافة الحكم المستنصر سنة 366هـ (= 976م) .

ولا تفاجئنا الحساسية التاريخية الفائقة لابن حيان بشأن موضوع الكوارث والأحداث الطبيعية ، فهو كالعهد به يهتم بذكر الحوادث ، كبيرها وصغيرها ، ما يتصل منها بالسياسة والحرب ، وما يمس المجتمع والعمران ، وما يتعلق بالأدب والثقافة ، ولهذا جاءت مادة الكوارث والحوادث الطبيعية غنية ومتنوعة ، وأيضا كثيرة نسبيا إذا أخذنا في الاعتبار أن المادة التي لدينا تتعلق فقط بحوالي مائة وخمسين عاما من أصل مائتين وأربع وسبعين سنة من المفترض أن  "المقتبس" يؤرخ لها ، أي أننا فقدنا أكثر قليلا من نصف الكتاب ، أو مادة تتعلق بقرابة قرن وربع القرن . ولنضرب مثالا عن حجم المادة في فترة زمنية محددة ومتصلة ، وهي الفترة الممتدة من سنة 300 إلى 333هـ من عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر، فنجد أن عدد الأخبار الخاصة بالكـوارث في هذه الفترة يصل إلى تسعـة ، وهي الخاصة بسنوات 302، و303 ، و305 ، و314، و317، و324، و303، كما أن عدد أخبار الحوادث الطبيعية خمسة ، اثنان في سنتي 312 و323، وواحد سنة 327 ، واثنان في سنة 330هـ[52]،  أي أن مجموع هذه الأخبار أربعة عشر خبرا ، وهو يزيد على ضعف عدد ما يذكره الطبري خلال فترة زمنية متصلة مماثلة في عدد السنوات (34 سنة) من 200 إلى سنة 233هـ حيث يأتي فقط على ذكر ستة أخبار ، أربعة تتصل بالكوارث في العراق والحجاز وخبرين من أخبار الحوادث الطبيعية [53].

ومن اللافت للنظر أيضا أننا أحصينا عددا مماثلا – تقريبا – للمذكور من أخبار الكوارث والحوادث الطبيعية خلال فترة زمنية أخرى متصلة من "المقتبس" ، وهي الواقعة من 180 إلى 267هـ وتضم عهدي الأميرين الحكم وعبـد الرحمن الأوسـط وجزء كبيـر من عهد الأمير محمـد[54] ، وهي مدة زمنية – كما يتبين – تبلغ أكثر من ضعف الفترة الزمنيـة الأولى المشـار إليها . وهذا يرجح لدينا أن تزايد حجم المادة المتصلة بالموضوع كانت تأخذ منحى تصاعديا . وقد يؤكد هذا أن خلال خمس سنوات متصلة تنقص قليلا ، وهي من سنة 360 إلى 364هـ من عهد الحكم المستنصر ، يحشد المؤرخ في "المقتبس"[55] أخبارا تماثل أو تربو في عددها على ما ذكره في أي من الفترتين سالفي الإشارة . ولعل هذا التصاعد يرجع إلى زيادة اهتمام المصادر التي يعتمد عليها المؤلف برصد أخبار الكوارث والحوادث الطبيعية ، و – أو – إلى توفر مصادر أخرى جديدة في أيدي ابن حيان لم تكن في متناوله من قبل .

ونزعم على أساس ما لدينا من مادة أن ابن حيان قد سجل تقريبا في "مقتبسه" كل أنواع الكوارث والحوادث الطبيعية المعروفة ، واللافت أنه لم  يكن رصدا فحسب ، ولكن أيضا تأريخا على قدر عال من الصنعة التأريخية . ففي عرضه لأخبار الكوارث والحوادث الطبيعية توجد مراوحة في التفصيل بين التوسع والتوسط والإيجاز . ففي الحالة الأولي لا يكتفي في عرض الخبر بعناصره الأساسية كالزمان والمكان والحدث ، بل يزيد عليها دقائق كثيرة مهمة تعمل على إبراز الصورة التاريخية للحدث دون ترهل أو تزيـُّد في العرض ، وتبين قوة ملاحظته وحساسيته التأريخية الفائقة . ففي مجاعة وقعت سنة 207هـ (= 822-823م)[56] ، في أوائل إمارة عبد الرحمن الأوسط ، يذكر أن سببها كان "انتشار الجراد ولحسه الغلات وتردده بالجهات ، فنالت الناس مجاعة عظيمة" ، كما يشير إلى ارتفاع سعر القمح ، والخروج للاستسقاء مرارا ، وكذلك إلى جهود الأمير في التخفيف منها بإطعام الضعفاء والمساكين . وفي مجاعة شديدة عرفت بمجاعة سنة ستين[57] ، أي عام 260هـ (= 873-874م) من أيام الأمير محمد ، يقدم ابن حيان تفاصيل دقيقة عن أولية المجاعة سنة 253هـ (= 867م)[58] بحدوث القحط في العام المذكور ، ثم ازدياده في العام التالي[59] حتى بلغ من شدته أن أدى إلى غؤور الماء ونضوبه بآبار قرطبة وعيونها ، فكان شرب أهلها من نهرهم ، ويبدو أن كمية الأمطار لم تصل في السنوات التالية إلى مستواها المعهود ، فاشتدت وطأة المجاعة في سنة 260هـ "فلم يزرع فيها بالأندلس حبة ولا رُفِعت" ، فمات كثير من الخلق ، ثم جاءت السنة التالية فانفرجت الأزمة . وخلال تلك المجاعة يخبرنا ابن حيان بقصتين تلقيان الضوء على الحياة الاجتماعية والاقتصادية في قرطبة . أما الأولي ، فمفادها أن أحد أبناء الأمير محمد قدّم مساعدة قيمة لأحد شعراء قرطبة حينما تناهي إلى سمعه ما يعانيه من شدة . والثانية أن إبان استفحال المجاعة ، استشار الأمير محمد الوزراء وأهل المشورة بشأن قرض العشور على الغلات وجمعها من الرعية ، فكلهم رأوا وجوب ذلك عليهم وأن يعطوها من مدخر أطعمتهم ، ولم يخرج عن هذا الرأي سوى والي المدينة الذي نصح الأمير بأن بقبل معذرة الرعية لأنهم لم يزدرعوا هذا العام ، فإنما "العشور على الغلات ، إذا وجبها الله وجب أداء فرضه فيها ، وإذا اجتثت أصولها فلا زكاة على من حرمها" ، وحثه على ذلك مبينا له أن ملوك الروم في روما والقسطنطينية كانوا يفعلون ذلك ، وأنه أولى بفعل ذلك . غير أن الأمير محمد رأى أنه ليس من الحزم فعل ذلك ، وأصر أن يؤخذ منهم بعض ما عليهم وطلب منه أن يقوم بذلك، فرفض والي المدينة ، فعزله وولى مكانه آخر ، وكان من المشهورين بالقسوة ، واجتهد الوالي الجديد في جمع نصف عشور الناس مستخدما كل ضروب الشدة والفظاظة فما حصل على الربع .

وفي مجاعة حدثت سنة 302هـ (= 914-915م)[60] على عهد عبد الرحمن الناصر ، لا يكتفي فقط المؤرخ بذكر صلاة الاستسقاء ، ولكن أيضا عدد مرّاتها  ومن قام بها ، وما تبع صلاة الاستسقاء الأخيرة من نزول "رذاد صالح وندى مبلل تمسـَّك به بعض الزرع ، وذهب الأكثر باستيلاء اليـَبـَس عليه" . وفي السنة التالية[61] يتحدث عن شدة المجاعة ، وارتفاع سعر القمح بسوق قرطبة ، ووقوع الوباء في الناس خاصة في أهل الفاقة والحاجة ، وجهود الناصر في معالجة الأزمة بإجراء الصدقات على أهل الحاجة والمتعففين وتوطيد الأمن الداخلي في العاصمة وكورها لضمان حركة مرور المؤن ، كما يذكر ابن حيان أن شدة الأزمة بلغت حدا عظيما جعلت الناصر يمتنع عن تجريد الصائفة المعتادة ، كما يشير أيضا إلى أن الجوع والوباء طالا عموم كور الأندلس ، فهلك خلق من أهله . وهو يسير على هذا المنوال من التفصيل الدقيق في عرضه لمجاعات أخرى مثل تلك التي وقعت في سنوات 314 (= 926-927م) ، و317 (= 929-930م) ، و330 (=941-942م) ، والتي سيشار إليها لاحقا .

ولا يقتصر التفصيل على عرض بعض الكوارث ، ولكن أيضا يمتد إلى ذكر بعض حوادث التقلبات المناخية الحادة ، ونذكر كمثال على ذلك ما وقع في سنة 362هـ (= 972-973م) من أيام الخليفة الحكم المستنصر[62]:

1- "في آخر العشر الأول من جمادى الآخرة المؤرخ [أي في السنة المؤرخة ، 362هـ] الموافق لشطر [من] شهر مارس العجمي [973م] ، هاجت بقرطبة وما يليها رياح شديدة وأنواء غليظة متوالية ،

2- "ونزلت بقبليها [بجنوب قرطبة] أرذَّة شديدة ،

3- "أعقبها بعد أيام غيثا وابلا صحبته بروق خاطفة دام أكثر نهاره ، فروى الثرى ، ونفع الله به ،

4- "وفي العشر الأواخر من جمادى الآخرة ، تمادى [الغيث] أياما ، يسكب تارة ويقلع تارة ،

5- "ثم أقصر الغيث فيما بعد وخيف على الزرع ،

6- "فاستسقى الخطيبان بالجامع ، القاضي محمد بن إسحاق بجامع قرطبة ، ومحمد بن يوسف قاضي قبرة بجامع الزهراء ، فاجتهدا في الدعاء ، واستمر القحط ،

7- "وتنزل على ذلك في ليلة الأحد لسبع خلون من رجب بقرطبة وما يليها جليد أسود ، ونزل ليال ثلاثا ، فساء تأثيره ،

8- "وامتد نزوله [الجليد] إلى بعض الكور الدانية من قرطبة ، فأحرق كثيرا من الكروم وشجر التين وغيره ، وكان أكبر ضرره في البطون والوهاد ،

9- "وأعاد الخطيبان المتقدم ذكرهما الاستسقاء بالجامعين فيهما يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب منها [السنة المؤرخة] ، وكان اليوم التاسع والعشرين من شهر نيسان [الصواب الثامن عشر] ،

10- " فلم تجد السماء إلى أن تفضل الله بالسقيا من ليلة يوم الاثنين لثمان خلون من رجب [الصواب شعبان] ، فروى الثرى واستنقذ الزرع برحمته" . 

إن المرء حيال هذا النص ليقف مشدوها متعجبا من التفصيل الدقيق والملاحظة الفائقة ، فهو ليس فقط أمام تقرير للأرصاد الجوية ، مفصلا ودقيقا يراعي الزمان والمكان وتطور الحالة الجوية (رياح شديدة وأنواء ، ثم رذاذ شديد ، فغيث وابل مصاحب لبروق ، ثم قحط وجليد أسود ، فمطر وافر) ، ولكن أيضا إزاء عرض حيّ يرصد الحالة الاجتماعية والنفسية المصاحبة للحالة الجوية ، فحينما سقط الرذاد ، ومن المرجح بعد انتظار ، انتفع الزرع به ، وعندما توقف وبان القحط حل الخوف والقلق ، فكانت صلاة الاستسقاء ، ثم تجددت حينما استمر شُحّ السماء ، وخلال ذلك وقع جليد أسود أضرّ كثيرا بالكروم وأشجار التين ، وعظم ضرره في المناطق الواطئة حيث كان يتجمع بكثرة ويمكث مدة أطول فيتأخر ذوبانه ، وأخيرا تـُقلع السماء عن إمساكها وتجود بمطر وفير يفي بحاجة الزرع فيحيا بعد أن كاد يشفى على الهلاك .

  وفي حالة التوسط في التفصيل نذكر على سبيل المثال إشارته إلى مجاعة وقعت سنة 197هـ (=812-813م) على عهد الأمير الحكم الأول ، ففي هذه السنة "كانت الشدة التي عمّت أرض الأندلس أجمعها ، فمات فيها أكثر الخلق ، وأجاز بعضهم البحر إلى أرض العدوة إذ كانت مخصبة"[63] . وثمة رواية أخرى تضيف قدرا آخر من المعلومات مثل جهود الأمير الحكم في التخفيف من مضار المجاعة ببذل المساعدة للفقراء المحتاجين ، وإشادة أحد الشعراء المعاصرين بذلك[64]. ومن ضـَرْب التوسط أيضا عرضه للقحط سنة 232هـ (=846-847م)[65] ، وحادث "الحريق العظيم بسوق قرطبة" في 19 شعبان سنة 324هـ (= 12 يوليو/تموز 936م)[66] .

وفي حالة الإيجاز نذكر على سبيل المثال الحديث عن سيل بقرطبة سنة 296هـ (= 908-909م)  فيقول : "وفيها وافي نهر قرطبة بمدّ عظيم طما سيله ، وساء تأثيره ، واعتدّ في أمهات السيول الطامية"[67]. بيد أن إيجازه قد يصل أحيانا إلى حد الاقتضاب المخل مثل الإشارة إلى مجاعة سنة 187هـ (= 802-803م) على عهد الحكم الأول ، فلا يزيد بشأنها عن قوله بإن في العام المذكور "كانت بالأندلس مجاعة شديدة"[68]، وفي حديثه عن مجاعة أخرى وقعت في سنة 285هـ (= 898م) على عهد الأمير عبد الله "وبها كانت بالأندلـس الشدة التي عمتها المجاعة ، وعوث [كذا] سعرها غلاء ، فأجحفت بالناس وشهر اسمها بسنة لم أظن"[69]، وهكذا يمر الخبر دون أن يعطي تفاصيل عن تلك المجاعة ، بل حتى دون أن يذكر لنا لماذا شـُهرَت باسمها المذكور .

ويلاحظ أن التفصيل في العرض أكثر ما يكون في حالة اتصال الخبر بالحاضرة قرطبة والتعميم والإيجاز في حالة الحديث عن باقي الأندلـس ، ولعل الاستثناء الذي نجده بهذا الخصوص ، أي إعطاء قدر قليل من التفصيل ، يتمثل في حالتين ، الأولى في خبر عرضي يشير إلى إمحال نال كورة تدمير (منطقة مرسية بشرق الأندلس) سنة 236هـ (= 850-851م) حدا بالأمير عبد الرحمن الثاني إلى عدم إرساله إلى الكورة المذكورة على عادته ولد له في هذه السنة[70]. والثانية في خبر أكثر تفصيلا يتناول "البـَرَد الغليظ" الذي سقط على تطيلة (Tudela) ، عملها من الثغر الأعلى ، في ربيع الأول من سنة 303هـ (= سبتمبر 915م) و"الذي حُزر في بعض حجارتها رطل وأكثر من ذلك ، فلم تبق قـَرْمـَدة على بيت ولا خضرة في بستان"[71]. ونجد إيجازا شديدا في بعض الأخبار المنقولة عن ابن حيان في كتب الطبقات الأندلسية مثل إشارة ابن بشكوال إلى الوباء في قرطبة سنة 401هـ (= 1010-1011م) وإلى قحط في نفس المدنية سنة 448هـ (= 1056-1057م) في خلال ترجمته لاثنين من علماء الأندلس[72] ، والخبران وإن كانا كما يلاحظ ليسا واردين من المقتبس الذي نحن بصدده فإنهما يلمحان إلى ما ذكرناه أعلاه من اقتضاب كتب الطبقات في أخبار الكوارث والحوادث الطبيعة .

ويتبين لنا مما ذكرناه أن ابن حيان حتى في إيجازه لم يغفل واحدا من العناصر المفصلية للخبر : الزمان والمكان والحدث ، بل إنه في حالات كثيرة من أخبار الكوارث والحوادث الطبيعية يصل إلى الغاية في الضبط الزمني ، فليست كل أخباره مؤرخة فحسب بالسنة على التقويم الهجري / القمري ، بل كثير منها بالشهر واليوم ، وأحيانا بالساعة ، وأحيانا أخرى يذكر المقابل من التقويم الميلادي / الشمسي / العجمي . ويكفينا بهذا الصدد مثال واحد عن هزة أرضية وقعت بقرطبة في سنة 361هـ فيقول : "وفي يوم الثلاثاء لثلاث بقين من صفر منها ، الذي كان التاسع عشر من شهر دجنبر [ديسمبر / كانون الثاني] ، تزلزلت الأرض في أول الساعة الرابعة منه وسكنت بسرعة"[73]، أي أن الهزة الأرضية وقعت في أول ساعة الضحى من يوم الثلاثاء 26 من صفر 361هـ الموافق 19 من ديسمبر / كانون الثاني 971م[74] .

وفي بعض الأحيان نجد الاستبلاغ في الدقة جليا في توثيق الخبر ، ففي خبر عن هزة أرضية أخرى قصيرة المدة وقعت بعد صلاة الظهر في يوم الاثنين 20 من صفر عام 364هـ (= 9 نوفمبر 974م) بقرطبة وما يليها ، يذكر أنها "كانت في هذا الوقت بعينه بأكثر كور الأندلس ، فكتب بشأنها صاحب الشرطة يعلى بن أحمد بن يعلى القائد بالجوف [الشمال] من مدينة قورية ( Coria ) بتاريخها وحـَدّ الوقت المذكور بعينه"[75]. ولعل في ذلك ما يستدل به على أن الخبر استند على مصدر وثيق الصلة بالسجلات الديوانية ، بيد أنه في خبر آخر لا يكتفي بالإشارة إلى وجود مكتوب مرسل من قائد مدينة إلى الإدارة المركزية في قرطبة ، لكن يدرج نص المكتوب المرسل من تلك الإدارة إلى سائر كور الأندلس ، وكان ذلك بشأن القحط الشديد الذي أصاب البلاد في أوائل سنة 317هـ (= ربيع 929م) ، فأمر الناصر ، على عادته في حالة القحوط الشديدة العامة[76] ، جميع العمال على الكور بالاستسقاء ، وأرسل إليهم كتابا من نص واحد بهذا الشأن[77]. ويرتكز الكتاب المذكور على ثلاثة عناصر ، الأول أن الله إن بسط نعمه أحب أن يُشكر عليها ، وإن أمسكها أحب أن يُسأل عليها ويُضرع إليه فيها ، فيجب من ثمَّ الإلحاح في المسألة والتوبة من الأعمال المنكرة التي توجب سخطه ؛ والثاني : الإخبار بما تم في الحاضرة من الأمر بالاستسقاء وعدد المرات التي تم فيها هذا ؛ والثالث : الأمر بالاستسقاء في الكور ، فيتوجه بالخطاب إلى كل عامل بما يلي : "فمُرْ الخطيب بموضعك أن يحتمل على مثل ذلك ، ويأخذ به من قبله من المسلمين" . وتفرُّد هذه الوثيقة ليس في محتواها ، فهذا كان جوهر صلاة الاستسقاء : التضرع إلى الله وطلب غوثه وإعلان التوبة من المنكرات طمعا في غيثه ، ولكن قيمتها في أن المؤرخ النابه اعتمد عليها في توثيق الخبر ، وفي إيراد نصها ، كما أن وجود هذا النص قيمة كبيرة بحد ذاته ، فهو نادر في تاريخ الأندلس ، وأحسب - أيضا - أنه كذلك في تاريخ العصور الوسطى الإسلامية . 

وابن حيان ، كسائر المؤرخين يتوخّى الإخبار من عرضه التأريخي ، وفي سبيل ذلك لا يصطنع في مقتبسه أسلوبا واحدا ، ولكنه يجمع بين أسلوبين ، فهو تارة يصطنع الأسلوب التقريري الصرف ، ونجد أمثلة على ذلك في بعض مما ذكرناه أعلاه ، ونذكر أيضا قوله عن تساقط النجوم سنة 224هـ (= 839م) على عهد الأمير عبد الرحمن الأوسط : "وفيها تساقطت النجوم نحو قرطبة في شهر مايه العجمي ليلة الجمعة لثمان بقين من جمادى الآخرة من هذه السنة"[78]؛ وقوله عن القحط سنة 232هـ (= 846-847م) على عهد الأمير المذكور : "وفيها كان القحط الذي عم الأندلس ، فهلكت المواشي ، واحترقت الكروم ، وكثر الجراد ، فزاد في المجاعة وضيق المعيشة"[79]. وفي هذين الخبرين ومثيلهما من الأخبار ، يتجه المؤرخ إلى الإخبار المباشر مستخدما لغة سهلة واضحة حيادية .

وتارة أخرى يتخفف من الأسلوب التقريري ويمزجه بعناصر بيانية وصور وصفية تتفاوت درجتها من القلة والتوسط والكثرة ، ولكنه لم يصل أبدا إلى أسلوب بياني صرف ، لأن همّه الأول من العرض - كما أشرنا - الإخبار ، كما أنه يعتمد على الوقائع ، ومحدد بالزمان والمكان ، ومن ثم فهو أسلوب "إخباري بياني"[80] . وتوجد أمثلة عديدة على هذا الأسلوب ، ويكفينا منها المثالين الآتي ذكرهما :

فعن المحل سنة 324هـ (= 935-936م) في عهد عبد الرحمن الناصر : "وفيها أمحل العام بالأندلـس المَحْل العامّ الذي لم يُعْهد فيه بمثله ولا سُمِع كاتـِّصاله ، إذ تمادت السنة على محلها ، وضنـَّت السماء بوَبـْلها ، فلم تـَنِضّ بقطرة ، ولا بَلـَّت مَدَرة ، فأقام الناس مع ذلك بحال صالحة ، لم تـُنـْفـَق أسعارهم كل الإنفاق لاحتباس ، ولا تبدّلت لهم حال بشدة الإمْحال ، بل بقيت النِعَم وسطهم وافرة ، واستمرت البركات بينهم ظاهرة ، ووَرَدت إليهم الخيرات من كل الجهات متوالية ، فاشتمل عليهم الرخاء ، ولم تمْسَسْهُم اللأواء ، واستداروا من كَنـَف السلطان السعيد في أمْنـَع الإذْواء، إلى أن أحْيـَوْا عام خمس وعشرين بعدها بأول الحَيا ، فاعتدَّ شأن حالهم في التماسك عامَهم عَجَبا"[81]. وعن ظاهرة فلكية وقعت في فجر يوم الخميس السابع من شعبان سنة 330هـ (= 27 أبريل / نيسان 942م) يقدم لنا الصورة الوصفية التالية : "بَدَت في الأفق جَمْرة ناريّة مُستعلـِية في السماء ، يـَستطير لها شـُعاع شديد ، يـَلتمِع في سَعَـف النخيل وذُرى مَصَانع القصور، تـَوهـَّمها الناس التـِماع الشمس عند الشروق ، حتى إذا انبلج الصبح رَقـَت تلك الجمرة ، فلمّا مَتـَع الضحى غابت"[82].

ولا نلحظ في المقتبس تعليلا لكارثة من الكوارث ، فيما عدا الإشارة سالفة الذكر إلى أن الجراد كان سببا في إحدى المجاعات ، وكذلك لا نجد تفسيرا لحدث من حوادث الطبيعة أو ظواهرها ؛ ومن ثم ، فباستثناء الغيث ، الذي هو بيد السماء ، إمساكا ومنـّا ، لا يلجأ ابن حيان إلى التفسيرات الغيبة في تعليل الكوارث والحوادث الطبيعية ، ويمضى في عرضه التأريخي دون إبداء رأي أو تعليق بهذا الشأن . وهو يلتزم بذلك حتى في الأخبار ذات الدلالة الخاصة بالربط بين حدث طبيعي وأخر سياسي . ونشير بهذا الصدد إلى خبرين . الأول ، في حديثه عن القحط الذي أصاب البلاد سنة 314هـ (= 927م) ، فيذكر أنه بعد الاستسقاء ، تزل بقرطبة "غيث مغيث" ووافق ذلك رفع جثة سليمان بن عمر بن حفصون ، أحد كبار الثائرين على عبد الرحمن الثالث ، الذي كان قد صُلـِب على أحد أبواب قرطبة ، فكانت مفارقة سجلها  الشعراء في أشعار كثيرة ، ولم يعلق المؤرخ  على ذلك بشيء سوى ذكر المفارقة . والثاني ، في ذكره لكسوف الشمس يوم الجمعة 28 من رمضان سنة 327هـ (= 19 يوليو / تموز 939م)[83] ، وذلك اليوم وافق غياب الناصر على رأس جيشه في حملة عسكرية ضد مملكة ليون المسيحية ، وهي الحملة التي انتهت بهزيمة ثقيلة للمسلمين ، وذلك في المعركة المشهورة المعروفة بالخندق ، وفي الحوليات المسيحية بـ  Simancas ، ومع ذلك لم يعلق المؤرخ بشيء ، مثل أن الكسوف كان نذير شؤم أو شيء من هذا القبيل ، وبعد انتهاء الحملة ووقوع الهزيمة والتي مات فيها كثير من المسلمين بما فيهم أحد أجداد ابن حيان نفسه ، حدث كسوف جزئي للشمس لمدة سبعة أيام من أواخر شهر ذي الحجة من السنة المذكورة حتى الثالث من المحرم من السنة التالية (328هـ = 14-20 أكتوبر/تشرين الأول 939م)[84] ، ورغم هذا لم يعلق المؤرخ على ذلك ولم يربط بين الحدث الطبيعـي والحدث السياسي الجلل . وعلى العكس من ذلك ، نظفر بتعليق لابن حيان على خبر آخر ، وهو وإن لم يرد في "المقتبس" فقد ذكره ابن الخطيب نقلا عن "أخبار الدولة العامرية" لابن حيان ، نذكره لدلالته . ومفاد الخبر أن المنصور محمد بن أبي عامر المسيطر على مقاليد الدولة الأندلسية أحب الوقوف على جملة ما في مخازنه من أطعمة قبل الخروج إلى غزو برشلونة سنة 374هـ (= 984-985م) ، فعلم أنها في غاية الوفرة ، فلحقه العجب وقال : "أنا أكثر من يوسف صاحب الخزائن" ، فلم تكد تمضي على قالته سوى ثلاث سنوات حتى أصابت البلاد شدة خانقة في سنة 378هـ (= 988-989م) ، وهنا يتحدث المؤرخ عن المجاعة باعتبارها جزاء من الله على عجب المنصور بقدرته وكيف أنها كانت عظة للمنصور ودرسا تعلم منه ، فيقول ابن حيان : "فلم يـُمْطـِلـْه بغي كلمته إذ برأها من الاعتصام من ريه تعالى ، واعتورتـْه السنون الشداد المتوالية من سنة 378 ؛ فانتـُسِفت أطعمتـُه باتصال الإنفاق وعُدم الاغتلال ، حتى أشفى على المجاعة وهمّ بالجواز إلى العدوة لخصبها يومئذ ، حتى أغاث الله بلاد الأندلس ، وأخرج أرزاقها ؛ وجعل لا يستكثر شيئا من الأطعمة ، ولا يقتصر على ما يجتنيه منها حتى يخرج المال في شرائها في سـِنيّ الخصب ، فهلك وحاصله منها جملة غليظة"[85] .

 

"المنتظم" لابن الجوزي

            حشد جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن على بن محمد ابن الجوزي (ت 597هـ = 1201م) قدرا معتبرا من المادة الخاصة بموضوعنا في كتابـه "المنـتظم في تاريخ الملوك والأمم" ، ولا نبالغ إن عددناها من أضخم مواد الكوارث والحوادث الطبيعية حجما في كتب تاريخ العصور الوسطى الإسلامية حتى مستهل القرن السابع الهجري . وفي إحصاء تقريبي أجريناه عن حجم المادة الواردة في كل من "تاريخ الرسل والملوك" للطبري و"المنتظم" لابن الجوزي و"الكامل" لابن الأثير على طول القرون الثلاثة الأولي من الهجرة ، وبالتحديد حتى سنة 302هـ ، وهي السنة التي توقف فيها الطبري عن التأريخ ، وجدنا الكتاب الأول يذكر 65 حدثا ، والتاني : 104 ، والثالث : 72 ، أي أن كتاب ابن الجوزي يفوق الكتابين الآخرين .

            فمن أخبار الكوارث والحوادث الطبيعية التي ذكرها ابن الجوزي ولم تـرِد في "تاريخ الطبري" نذكر على سبيل المثال : سيل وادي بُطحان بالمدينة سنة 8هـ ، وطاعون زياد بالكوفة سنة 53هـ ، وطاعـون الفتيـات بالشام والبصرة وواسط سنة 86هـ ، والجدب بالعراق سنة 166هـ ، وحريق البصرة سنة 217هـ ، وحدوث إظلام ببغداد سنة 219هـ ، وهجوم الفئران على الغلات بالعراق سنة 222هـ ، وانقضاض نجم عظيم في الرقة والجزيرة في نفس العام[86] . وعلى مستوى آخر من المقارنة ، وهي الخاصة بالنطاق الزمني الواقع بين مولد الطبري سنة 224هـ حتى نهاية تأريخه في سنة 302هـ ، وهي الفترة التي يفترض فيها أن الطبري كان معاصرا للأحداث ، وتجاوزا عن سني طفولته ، يتفوق أيضا ابن الجوزي في هذا النطاق الزمني على الطبري في عدد أخبار الكوارث والحوادث الطبيعية ، فيذكر هذا الأخير 36 خبرا ، في مقابل 67 خبرا عند ابن الجوزي . ومن بين ما جاء في "المنتظم" ولم يأت في "تاريخ الطبري" في هذا النطاق الزمني نذكر على سبيل المثال الأخبار التالية : وقوع رجفة بالأهواز سنة 225هـ أو 226هـ ، وأخري بدمشق وأنطاكية والموصل سنة 233هـ ، ووقوع عواصف شديدة بالعراق والأهواز سنة 234هـ ، وزلزلة ومطر شديد بهراة في نفس العام ، وصواعق بعسقلان وبَرَد بالبصرة سنة 237هـ ، وحدوث رجفة بطبرية سنة 239هـ ، وهجوم الجراد على البصرة سنة 240هـ ، ووقوع بَرَد عظيم الحجم على بغداد ، وخسف ببعض قرى إفريقية في نفس العام ، وحريق بسامراء سنة 241هـ ، وبالكرخ  في السنة التالية ، وهدات بالبصرة سنة 258هـ ، وكسوف القمر والشمس سنة 269هـ[87] . ويلفت الانتباه أن ابن الجوزي يذكر أحداثا وقعت في بغداد ، وخلال السنوات التي كان فيها الطبري عاكفا على كتابة تاريخه ، ومع ذلك لم يضمـّنها فيه . من ذلك : انقضاض الكواكب سنة 289هـ ، ووقوع الثلج في العام التالي ، وزيادة دجلة في عام 292هـ ، وسقوط أمطار كثيرة أغرقت المنازل ببغداد عام 294هـ ، وفيضان دجلة وكثرة الأمطار سنة 300هـ[88] .

               تظهر المقارنة بوضوح قلة حجم مادة الكوارث والحوادث الطبيعية في تاريخ الطبري بالنسبة لما ورد في المنتظم لابن الجوزي ، وأسباب ذلك في حالة الطبري يمكن إرجاعها إلى سقوط بعض الأخبار من نص الطبري المتداول ، أو أن هذا المؤرخ لم يتيسر له الحصول على مصادر معينة وقع عليها ابن الجوزي ، أو أن صاحب "تاريخ الرسل والملوك" لم يعتد بعدد من هذه الأخبار وفق مقاييسه النقدية ، أو أنه لم يكن يعطي اهتماما كبيرا لمثل هذه الأخبار بنفس القدر الذي كان يوليه لأخبار الأحداث السياسية ؛ كل هذه الأسباب محتملة وقابلة للنقاش ، ولكن ما يعنينا في هذا المقام حالة ابن الجوزي . إذ أن هذا الكم الهائل من المادة الخاصة بالكوارث والحوادث الطبيعية الذي يرد في كتابه يمكن أن يدل على أن رؤيته لكتابة التاريخ تتسم بالشمول ، وأنه لا يجب إغفال شيء مهما تضاءلت أهميته ، ولهذا كانت رغبته في حشد كل ما يصل إليه من أخبار مكتوبة أو مسموعة ، ورغم أن مثل هذا الحشد قد يثقل الكتاب ، وربما يؤدي إلى تكرار بعض الأخبار[89]، وعدم ضبط بعضها الآخر زمنيا ومكانيا[90] ، وهو بالفعل ما وقع فيه  ابن الجوزي ، فإنه عظيم الأهمية للدارسين ، وأمر مقبول خاصة من كتاب من جنس الحوليات التاريخية . وهذه الطريقة الشمولية التي تكاد لا تترك شاردة اتبعها مؤرخون عظام قبل ابن الجوزي مثل ابن حيان القرطبي في "المقتبس" ، وبعده مثل تقي الدين المقريزي في كتابه الفذ "كتاب السلوك" .

            ومع ذلك ، فإنه جدير بالذكر أن طريقة الحشد التي اتبعها ابن الجوزي ليست حصرية استيعابية ، بمعنى أنه لم يستوعب كل أخبار الكوارث ، إذ خلا كتابه من عدد من الأخبار ذكرها الطبري ، من ذلك : زلزلة بالشام سنة 242هـ ، وأخري بالري سنة 249هـ ، وانبثاق بثق من نهر عيسى في الجانب الغربي من بغداد سنة 270هـ فتسبب في تهدم كثير من الدور[91] . ومثل "تاريخ الطبري" يكاد النطاق الجغرافي لمادة الكوارث والأحداث الطبيعية في كتاب "المنتظم" ينحصر في الشرق الإسلامي مع التركيز على العراق والجزيرة ، بالإضافة إلى بعض الأخبار القليلة عن إفريقية ، وهي بالمناسبة أكثر مما جاء في "تاريخ الطبري" ، وانعدامها عن الأندلس .

            ولقد أتاح الحشد الهائل للمادة تنوعا كبيرا فيها ، فلم تقتصر على ما هو معروف منها وذكره المؤرخون السابقون على صاحب "المنتظم" ، ولكن ابن الجوزي أضاف إليها عددا آخر من حيث النوعية ، كما أنه يذكر تفصيلات كثيرة فيما يتصل بالكوارث المعروفة تمثل إضافة مهمة لتاريخ الكوارث في العصور الوسطى الإسلامية .

فمن إضافات ابن الجوزي حديثه عن هجوم الفئران ، فذكر أنه في سنة 222هـ (= 836-837م) ظهر منها ما لا يحصى وأتت "على غلات الناس"[92] ، ولم يذكر أين حدث هذا ، ولكن يفهم أنه كان بقرى العراق . كما انفرد بالحديث عن تهديد القمل ، فيقول أنه في عام 334هـ (= 848-849م) كثر برستاق القيمرة الكبري ، "حتى يئس الناس من غلاتهم" ، ولكن أنهى الخطر ظهور نوع من الطير أكبر حجما من العصفور راح يلقط القمل حتى فني[93] . كما يذكر أنه في شهر ربيع الآخر من سنة 446هـ (= 860م) كثرت الصراصير كثرة هائلة حتى "سمع لها بالليل دويّ كدويّ  الجراد إذا طار"[94] ، وكان ذلك في بغداد حسبما ذكر ابن الأثير[95] ، الذي أورد الخبر تقريبا بنصه . واستكمالا لأخبار الآفات نذكر إشارات ابن الجوزي إلى الجراد ، وأولها تفرده دون الطبري وابن الأثير بالإشارة إلى وقوع الجراد بالقرب من البصرة سنة 240هـ (= 854-855م) ، ولكن الضرر الذي سببه كان بشكل غير مباشر ، فيذكر أن الناس خرجوا لطلبه ليلا ففاجأهم مطر وريح ، "فمات منهم ألف وثلاثمائة إنسان ، ما بين رجل وامرأة وصبي"[96] . وفي سنة 311هـ (= 923-924م) ظهر الجراد ، "وعظم أمره ، وكثر إفساده للغلات"[97] ، ولم يذكر ابن الجوزي مكان ظهوره ، ولكن يفهم أن ذلك كان في العراق ، وهو ما يؤكده صراحة ابن الأثير بقوله أن في السنة المذكورة "ظهر جراد كثير بالعراق ، فأضر بالغـلات والشجر وعظم"[98] .  كما يذكر خبر الجراد الأسود الذي جاء عام 331 (= 942-943م) ، وكان وقت مجاعة ووباء ببغداد ، فوجد فيه فقراء الناس معونة لشدة غلاء الخبز[99].  وفي صيف سنة 344هـ (= 955-956م) ظهر جراد كثير ، على الأرجح بنواحي بغداد ، "فأتى على الغلات الصيفية والأثمار وأضرّ بالشجر والثمار"[100] ؛ وتكررت جائحة الجراد في ربيع سنة 347هـ (= 958-959م)[101] ، ولكن ابن الأثير يذكرها في حوادث العام التالي ، أي سنة 348هـ ، وكان ذلك في وقت قحط وغلاء فاجتاح الجراد ما كان نبت من الخضروات وغيرها ، "فاشتد الأمر على الناس"[102]. وفي سنة 360هـ (= 970-971م) ظهر جراد ، ولكنه لم يلحق أضرارا ، فقد كانت صغيرة الحجم ، "فنسفتها الريح ، فصارت دجلة مفروشة به"[103]. وفي رمضان سنة 465هـ (= 1073م) اجتاح الجراد الزرع خاصة البقول ، حتى كاد أن يعدم[104]. وبعد ثلاث سنوات ، في شعبان من سنة 468هـ (= 1076م) ، تكررت جائحة الجراد ، فقد جاء منه عدد هائل "كعدد الرمل والحصى" ، وأكل الغلات ، فعاني أهل السواد الجوع ، فكانوا يطحنون الخرنوب مخلوطا بدقيق الدُّخـْن[105]؛ وفي سنة 541هـ (= 1146-1147م) انتشر جراد عظيم بالعراق يبدو أنه ألحق أضرارا كثيرة بالبلاد مما كان سببا في إسقاط المكس في الأسواق[106].   

 وذكر الطبري من قبل أنه في سنة 241هـ (= 855-856م) نفقت الدواب والبقر لإصابتها بداء الصُّدام[107] ؛ ويزيد ابن الجوزي على ذلك أخبارا أخرى يمكن أن تساهم في التأريخ للأوبئـة في الحيـوان ، من ذلك إشارتـه إلى وقوع "الوباء في البقر" سنة 326هـ (= 937-938م) ، وربما كان هذا سببا في ظهور "جرب وبثور" في الناس[108]. وفي سنة 329هـ (= 940-941م) ، وكانت سنة قحط وغلاء بالعراق ، "وقع الموت في المواشي"[109] . وفي سنة 437هـ (= 1045-1046م) وقع الوباء في الخيل ، فهلك من معسكر الملك أبي كاليجار السلجوقي اثنا عشر ألف رأس ، وعم ذلك في البلاد ، فيذكر في أحداث السنة التالية ، أنه كان ينفق في اليوم الواحد مائة رأس وأكثر ، وكان ذلك يطرح في نهر دجلة ، فتجنب كثير من الناس الشرب من مائه ، وكان قوم يحضرون لدوابهم الأطباء فيسقونها ماء الشعير[110]. وفي جمادى الآخرة من سنة 452هـ (= 1060م) وقع الوباء مرة أخرى في الخيل بالإضافة إلى البغال ، ويحدد أعراضه بأنه كان "نفخة العينين والرأس وضيق الحلق"[111] . وتكرر حدوث ذلك في شوال من سنة 459هـ (= 1067م) ، ولكن لم يكن مقتصرا على الخيل والبغال ولكن في كل الدواب "وانتفخت رؤوسها وأعينها" ، وامتد الوباء إلى الحيوانات البرية ، حتى كان الناس "يصيدون حمر الوحش بأيديهم ، فيعافون أكلها"[112]. ويضيف ابن الجوزي أن عقيب ذلك وقع بنيسابور وأعمال خراسان غلاء شديد ووباء مفرط [113]، وكذلك بدمشق وحلب وحران ، وهذا يرجح أن وباء الدواب المشار إليه وقع في الأماكن المذكورة ، وأنه كان جزءا من الوباء الذي وقع فيها . وفي سنة 464هـ (= 1071م) حدث غلاء "وتعذر اللحم ووقع المَـوَتان في الحيوان ، حتى إن راعيا في بعض طرق خراسان قام عند الصباح إلى غنمه ليسوقها فوجدها موتى"[114] ؛ ويذكر الذهبي الخبر ولكن بشكل أكثر تحديدا ، فطبقا له أن الفناء وقع في الغنم ، وكان ذلك في خراسان ، وأن الراعي المذكور فقد خمسمائة رأس في يوم واحد[115] . كما يتحدث عن حدوث الوباء في الحيوان ضمن الوباء في البشر الواقع سنة 478هـ (= 1085-1086م)[116] ؛ كما وقع موتان في الغنم بسبب غرق بغداد سنة 569هـ(= 1174م)[117] .

ويذخر "المنتظم" لابن الجوزي بقدر معتبر من أخبار الحرائق ، خاصة الواقعة في بلده بغداد ، حتى أننا لنجازف بالقول أنه واحد من أكثر كتب التاريخ اهتماما بذكر الحرائق حتى أواخر القرن السادس الهجري . وحسبنا دليلا على ذلك أن الطبري لم يذكر في "تاريخه" سوى خبرين لحريقين اثنين فقط[118] . وابن الأثير ، وإن أحصينا له في حوادث القرن السادس الهجري أحد عشر خبرا خاصا بالحرائق[119] ، أكثر من نصفها مذكور في المنتظم ، فإن ابن الجوزي يتفوق عليه أيضا ، حيث ذكر الأخير أربعة عشر خبرا خاصا بالحرائق في نفس القرن الهجري المشار إليه ، وإن كان ذلك حتى سنة 574هـ فقط ، وهي السنة التي ينتهي فيها كتابه . وإذا اقتصرنا على حوادث الحرائق هذه المذكورة في كتاب "المنتظم" والواقعة في الفترة الكائنة من سنـة 501 إلى 574هـ ، واستثنينا منها خبرا واحدا يتصل بحريق وقع خارج بغداد ، أي 13 خبرا ، نجد أن معدل وقوع الحرائق في بغداد في القرن السادس الهجري حسب ابن الجوزي كان بواقع حريق واحد كل 3,38 سنوات تقريبا ، وهذا في حد ذاته عنصر مهم في دراسة الأحوال الاجتماعية لعاصمة الخلافة في القرن السادس الهجري . والأخبار الخمسة الأولى من مجموعة أخبار الحرائق المشار إليها وقعت قبيل مولد ابن الجوزي وخلال سني طفولته ، مما يرجح أنه أخذها من شيوخ له أو من أشخاص قريبين منه . وهذه الأخبار هي ما يلي : حريق في سوق الريحانيين ومنظرة باب بدر في جمادى الأولى من سنة 508هـ (= أكتوبر / تشرين الأول 1114م)[120] ؛ وفي قـَراح أبي الشحم في جمادى الأولى من سنة 509هـ (= سبتمبر / أيلول – أكتوبر / تشرين الأول 1115م)[121] ؛ وحريق بحظائر الحطب التي على دجلة سنة 510هـ (= 1116-1117م)[122] ؛ واحتراق سوق الريحانيين وسوق عبدون في ربيع الآخر من سنة 512هـ (= يوليو / تموز – أغسطس / آب 1118م)[123] ؛ حريق بدار المملكة ، قصر السلطان محمد السلجوقي ، في 4 جمادى الآخرة من سنة 515هـ (= أحد أيام الأسبوع الثالث من أغسطس / آب 1121م)[124] . وعاصر ابن الجوزي الحرائق الثمانية الأخرى ، ولكن لا يمكن الجزم أنه كان شاهدا على وقوعها ، حيث لا ترد مثلا صيغة المتكلم في أخبار الحرائق أو إشارة أخرى تدل على الشهود العيني للحدث مثلما هو عليه الحال في الحوادث المذكورة لاحقا ، وإن كان من المرجح أنه عاين مواقع الأحداث بشكل مباشر ، على الأقل بعد خمود الحرائق ، ويستشف ذلك من دقة مواقع وتفاصيل وتواريخ حوادث الحريق التي يذكرها . وهذه الحرائق الثمانية هي على النحو التالي : حريق في خان السلسلة الذي عند باب دار الخليفة في 11 شوال من سنة 528هـ (= أحد أيام الأسبوع الأول من يونيو / حزيران 1134م)[125] ؛ حريق وقع آخر ربيع الآخر من سنة 551هـ (= أحد أيام الأسبوع الثالث من يونيو / حزيران 1156م) في عدة مواقع من بغداد ودام ثلاثة أيام[126] ؛ حريق في السوق الجديد من درب فراشة في ذي القعدة من سنة 560هـ (= سبتمبر / أيلول – أكتوبر / تشرين الأول 1165م)[127] ؛ حريق في الحظائر والدور التي تليها في ذي الحجة من نفس العام المذكور (560هـ = 1165م)[128] ؛ حريق في درب المطبخ ثم في سويقة خرابة ابن جردة في سنة 566هـ (= 1170-1171م)[129] ؛ حريق في السوق الجديد من درب حديد في 17 شوال من سنة 567هـ (= منتصف أبريل / نيسان 1172م)[130] ؛ حريق من باب درب بهروز إلى باب جامع القصر ، ومن الجانب الآخر من حجرة النخاس إلى دار الخليفة في سنة 568هـ (= 1172-1173م)[131] ؛ وآخر حريق ذكره ابن الجوزي هو ما وقع بالظفرية في ليلة 3 من المحرم من سنة 569هـ (= منتصف أغسطس / آب 1173م)[132] .

ويضيق المقام عن استعراض الكم الهائل والمتنوع من مادة الكوارث والحوادث الطبيعية التي يمدنا بها ابن الجوزي ، ولكن نرى أنه من الأحرى أن نتوقف عند كيفية معالجته التأريخية للمادة . ونبدأ بمصادر هذه المادة ، فمن الواضح أن المؤرخ استند على المؤرخين والمؤلفين السابقين عليه خاصة الطبري والخطيب البغدادي (ت 463هـ) وابن عبد الملك الهمذاني ، ولكنه قلّ أن يذكرهم صراحة ، وفي حالة نادرة صرح باسم الطبري في خبر خاص بتغير لون ماء دجلة إلى الصفرة في ذي الحجة من عام 235هـ واستمراره على ذلك الحال على مدى ثلاثة أيام وفزع الناس لذلك ، "حكاه أبو جعفر الطبري"[133] ، ومع ذلك ، فإنه كثيرا ما يأخذ عنه ، وهذا يتضح بمقارنة النصوص . ومن المؤرخين السابقين على الطبري ذكر ابن الجوزي أسماء الواقدي (ت 207هـ = 832م) مرتين ، والأصمعي (ت 216هـ = 831م) مرتين أيضا ،  والمدائني (ت 225هـ = 839م) مرة واحدة ، أشار إليهم كمصادر لأخبار كوارث وقعت في القرنين الأول والثاني الهجريين[134] . ومن الحالات اللافتة ذكره للنسابة والأخباري محمد بن حبيب الهاشمي (ت 245هـ = 860م) ، وهو وإن كان من هذه المجموعة سابقة الذكر ، فإن اسمه مذكور كمصدر لأربعة من أخبار الكوارث[135] ، الأول حدث في سنة 240هـ وهو خاص بوقوع خسـف بثـلاث عشرة قرية من قرى إفريقية ، وهو يعتمد في ذلك على ما كتبه "تجار المغرب"[136] ، والأخبار الثلاثة الأخرى كلها عن أحداث وقعت في سنة 242هـ ، وهي : وقوع زلزال مروع بالدامغان وما حولها من كورة قومِس بطبرستان في شعبان من السنة المذكورة ، قيل إنه أسفر عن هلاك خمسة وأربعين ألفا[137] ؛ وسقوط أحجار ، على الأرجح حطام نيزك ، على قرية من قرى مصر ، فوقع حجر منها على خيمة أعرابي فأحرقتها ، وَوُزن حجر منها فبلغ خمسة أرطال ، وحمل أربعة منها إلى الفسطاط ، وواحد إلى تنيس[138] ؛ والخبر الأخير عن تحرك جبل باليمن "فكتب بذلك إلى المتوكل"[139]

ويأخذ ابن الجوزي قدرا من أخبار الكوارث من بعض شيوخه المباشرين ، ويذكر منهم اثنين : أبي بكر محمد بن أبي طاهر عبد الباقي الأنصاري البزاز (ت 535هـ = 1140-1141م) وأبي الفضل محمد بن ناصر (ت 550هـ = 1155-1156م) . فعن الأول ينقل عددا محدودا جدا من الروايات المسندة ، منها رواية عن الوزير الفضل بن الربيع (ت 208هـ = 823-824م) أنه عندما وقع القحط على عهد الخليفة المهدي العباسي سنة 166هـ (= 782-783م) نادى في الناس "أن صوموا ثلاثة أيام واخرجوا للاستسقاء في اليوم الرابع ، فخرجوا فسقوا"[140] . ورواية عن أبي محمد الحسن بن محمد الصِّلـْحي (ت 376هـ = 986-987م) ، كاتب أمير الأمراء محمد بن رائق ، خبر "منام عجيب" . وظروف الخبر أنه في النصف الأول من عام 329هـ (= أكتوبر / تشرين الأول 940 – مارس / آذار 941م) وقع في العراق غلاء شديد "وأكل الناس النخالة والحشيش ، وكثر الموت حتى دفن جماعة في قبر واحد بلا صلاة ، ولا غسل ، ورخص العقار والقماش حتى بيع ما ثمنه دنانير بعددها دراهم […] ، ودام الغلاء حتى تكشف المتجملون ، وهلك الفقراء ، واحتاج الناس إلى الاستسقاء ، فرئي منام عجيب"[141] . ثم يذكر ابن الجوزي عن أبي محمد الصِّـلـْحي أن منادي الخليفة المتقى بالله (329-333م = 940-944م) نادى في الأسواق أن امرأة صالحة رأت النبي (ص) في منامها ، فشكت إليه احتباس القطر ، فقال لها أن تبلغ الناس أن يخرجوا في يوم حدده للاستسقاء ، فإن الله يسقيهم ، ولهذا يأمر أمير المؤمنين الناس بالخروج في اليوم المعلوم للاستسقاء ، وهنا يتدخل أبو محمد الصِّـلـْحي في الرواية معربا عن تخوفه قائلا "فشقّ ذلك عليّ ، وقلت : في منـام امرأة لا يدرى كيـف تأويلـه ، وهل يصح أم لا ، ينادي به خليفة في أسواق مدينة السلام ، فإن لم يسقوا كيف يكون حالنا مع الكفار ، فليته أمر الناس بالخروج ولم يذكر هذا [المنام]" ، فلما كان اليوم الموعود ، وكان يوم ثلاثاء ، خرج الناس إلى المصلى واستسقوا ، فسقوا[142] . ورواية أخرى عن أبي الفرج الأصفهاني (ت 356هـ = 967م) أن في زمن الطاعون الذي كان في بغداد في سنة 346هـ (= 957-958م) حدث أن لصا نقب بيتا فمات مكانه وهو على المنقب ، وأن قاضيا لبس سواده ليخرج إلى الجامع فيحكم ، ولبس أحد خفيه وجاء ليلبس الآخر فمات[143] . ولا تدل الروايات المسندة المذكورة الخاصة بأخبار الكوارث ، وهي كما ألمعنا قد لا تزيد على أصابع اليد الواحدة ، على غرابة ما قد تحمله من أخبار ، وعلى أن المؤرخ أراد أن يوضح أن العهدة فيها على الراوي . فثمة أخبار عديدة تتسم بطابع الغرابة ولم يذكر المؤرخ سندها ، بل أن القاعدة العامة في كتابه عدم استخدام طريقة الإسناد في التأريخ ، وكذلك إغفال ذكر مصادره ، ومن ثم فإننا بإزاء حالة استثنائية في تأريخية ابن الجوزي للكوارث والأحداث الطبيعية ، وهي تعنى أنه لم يتحرر تماما من طريقة "الإسناد".

ويعتمد ابن الجوزي على رواية أبي محمد الصلحي المذكور في الحديث عن كارثة العطش التي حلت بأهل بغداد في أوائل المحرم من سنة 335هـ (= 946م)[144] ، فقد كان أبو محمد الصلحي شاهد عيان على الكارثة ، ومن المرجح أن ابن الجوزي ينقل هذه الرواية أيضا عن شيخه ابن عبد الباقي البزاز ، فهو مَنْ نقل خبر المنام المذكور عن أبي محمد الصلحي . وكذلك عن نفس الشيخ ينقل ابن الجوزي خبر الزلزلة التي وقعت بالشام وديار الجزيرة في 18 جمادى الآخرة من سنة 508هـ (= نوفمبر / تشرين الثاني 1114م) ، فيقول : "ورأيت بخط شيخنا [أبي] بكر بن عبد الباقي البزاز ، قال : ورد إلى بغداد في يوم الخميس سابع عشر رجب من سنة ثمان وخمسمائة كتاب ذكر فيه : […]"[145].

وعن شيخه الثاني يسوق ابن الجوزي خبر الزلزلة التي وقعت ببغداد في 10 ذي الحجة من سنة 511هـ (= أبريل / نيسان 1118م) ، فيكتب : "قال شيخنا أبو الفضل بن ناصر : كانت هذه الزلزلة وقعت الضحى ، وكنت في المسجد الذي على باب درب الدواب قاعدا على السطح مستندا على سترة تلي الطريق ، فتحركت السترة حتى خرجت من الحائط مرتين ، قال : وبلغني أن دكاكين وقعت بالجانب الغربي في القرية"[146]. وعنه خبر زلزلة أخرى بعاصمة الخلافة في 16 من ربيع الأول سنة 524هـ (= أواخر فبراير / شباط 1130م) ، فيكتب : "قال شيخنا أبو الفضل بن ناصر : وكانت زلزلة عظيمة هائلة في ليلة الجمعة […] وكنت في المسجد بين العشائين ، فماجت الأرض مرارا كثيرة من اليمين عن القبلة إلى الشمال ، فلو دامت هلك الناس ، ووقعت دور كثيرة ومساكن في الجانب الشرقي والغربي"[147] وعلى نفس الشيخ المذكور يستند ابن الجوزي في تدعيم خبر الزلزلة المروعة التي وقعت سنة 533هـ (= 1138-1139م) بكنـْجَة / جنـَزَة[148] ، وقضى بسببها فيما قيل مائتا ألف وثلاثين ألفا : "قال المصنف : وسمعت شيخنا ابن ناصر يقول : قد جاء الخبر أنه خسف بجنزة وصار مكان البلد ماء أسود ، وقدم التجار من أهلها فلزموا المقابر يبكون على أهاليهم"[149].

وتعد المراسلات ، على الأرجح كتب البريد وكتب التجار ، وربما أيضا المراسلات الشخصية ، تعد مصدر ابن الجوزي الثالث لتأريخ أخبار الكوارث والحوادث الطبيعية ، وهي على ضربين ، الأول منها غير مباشر ، وهو ما كان ينقله عن سابقين عليه أقروا أو أشاروا إلى استخدامهم المراسلات بخصوص أحداث لم يعاصرها ابن الجوزي ، والثاني مباشر ، وهو ما كان يتحصَّـل عليه المؤرخ بشكل مباشر بشأن أحداث وقعت في عصره ولكن لم يشهدها ، وفي الحالين يستخدم تعبيرات من قبيل "وردت الكتب" ، و"ورد الكتاب"، و"وردت كتب التجار" .

والمؤرخ نفسه كان من أهم مصادر أخبار الكوارث والحوادث الطبيعية ، فقد كان شاهد عيان على بعض ما وقع منها في بغداد ، كما كان يستكمل معلوماته عن بعضها بالسماع مستخدما تعبيرات من قبيل "حدثني" ، و"حدثني ثقات" ، و"حكى لي ثقات" ، و"وصل الخبر" . ولا شك أن المشاهدة العينية من قبل المؤرخ تضفي قدرا كبيرا من المصداقية على هذه الأخبار ، فضلا عما تقدمه من تفاصيل دقيقة ومهمة يوردها بهذا الشأن ، كما يتضح فيما يتعلق بحادثي غرق بغداد في عامي 554هـ (= 1159م) و569هـ (= 1174م)[150] . ومن الجدير بالذكر بهذا الصدد أن "المنتظم" يعد من أهم المصادر التي سجلت حوادث الفيضان التي وقعت ببغداد حتى آخر الربع الثالث من القرن السادس الهجري .

ومن تلك الحوادث التي شهدها المؤرخ نذكر الزلزلة التي وقعت في 24 من ذي القعدة سنة 538 (= 29 مايو/ آيار 1143م) ، وكان وقتها ابن الجـوزي شابا قد تجاوز العشرين ، فيقول : "وزلزلت الأرض […] ، فكانت رجة عظيمة ، كنت مضجعا على الفراش ، فارتج جسدي منها"[151] . وبعد حوالي خمس وثلاثين سنة ، في سنة 574هـ (= 1178-1179م) يتحدث عن هزة أرضية أخرى ، ولكن لم يشعر بها ، فيقول : "وحكى لي ثقات أن الأرض زلزلت بعد العصر يوم السبت ثاني عشر ذي القعدة [أحد أيام الثلث الأخير من أبريل / نيسان 1179م]، ولم أحس أنا بذلك"[152] . وكما ذكرنا آنفا كان المؤرخ شاهدا على فيضانين من أخطر الفيضانات التي وقعت في بغداد في العصر العباسي ، فعن أولهما الواقع في سنة 554 والذي بدأ في يوم الجمعة 18 ربيع الأول كتب ابن الجـوزي : "وخرجت من داري بدرب القيـار يوم الأحد [20 ربيع الأول ، وهو اليوم الثالث] وقت الضحى ، فدخل إليها الماء وقت الظهر ، فلما كانت العصر وقعت الدور كلها ، وأخذ الناس يعبرون إلى الجانب الغربي […] ؛ وجئت بعد يومين [يوم الثلاثاء 22 ربيع الأول] إلى درب القيار ، فما رأيت حائطا قائما ، ولم يعرف أحد موضع داره إلا بالتخمين ، وإنما الكل تلال ، فاستدللنا على دربنا بمنارة المسجد ، فإنها لم تقع"[153]. وأما الفيضان الثاني الواقع سنة 569هـ (= 1174م) ، فهو أخطر فيضان شهدته بغداد في العصور الوسطـى حيث بلغ منسـوب الميـاه في دجلة حوالي 23 ذراعا ، وكانت هذه أعلى قراءة مسجلة[154] . وبلغت مدة الفيضان أكثر من خمسة أسابيع ، شهر رمضان بأكمله والأسبوع الأول من شهر شوال من العام المذكور (= أبريل / نيسان – مايو / آيار 1174م) . وخلال ذلك زادت دجلة والفرات وأحدقت المياه ببغداد شرقا وغربا ، فضلا عن توالي الأمطار ونزول البَـرَد ، ويذكر المؤرخ عن "بعض الثقات أنهم وزنوا بَـرَدة فكان بها سبعة أرطال" ، ولكن "كانت عامته كالنارنج يكسر الأغصان" ، "فهدم الدور ، وقتل جماعة من الناس ، وجملة من المواشي" . وعبثت المياه بالدور والأبنية ، فتهدم كثير منها ، وتضعضعت أخرى ، ولحق الخراب بدار الخلافة والمارستان والمساجد ، بل لحق الضرر المقابر ، "وكان من يرى مقبرة أحمد بعد أيام يدهـش كأن القبـور قد قلبت وجمع الماء عليها كالتل العظيم من العظام ، وكالتل من ألواح القبور" ، وامتلأت الطرقات بالمياه حتى كان الناس يعبرونها بالقوارب ، ولجأوا إلى الصحاري والتلال العالية يعتصمون بها ، وغلا الخبز[155] . وبالإضافة إلى عرضه الحي لغرق بغداد لم يهمل المؤرخ أن يسوق خبرين لحدثين آخرين وقعا خارج بغداد ، الأول عن غرق الموصل في ذات الوقت ، فينقل عن أهلها أن الأمطار دام هطولها أربعة أشهر ، "فهدمت نحو ألفي دار ، وكانوا يهدمون الدار إذا خيف وقوعها ، فهدموا أكثر مما هدم المطر ، وكانت الدار تقع على ساكنيها فيهلك الكل"[156] . وأتى ابن الأثير ، وهو من أهل الجزيرة والموصل ، على ذكر الخبر ، ولكنه يحدد مدة هطول الأمطار بأربعين يوما فقط ، فيكتب : "فدامت أربعين يوما ، ما رأينا الشمس فيها غير مرتين ، كل مرة مقدار لحظة " ، وهو تحديد أكثر دقة . أما الخبر الثاني ، فيسوقه ابن الجوزي كدليل على المفارقة ، ففي الوقت الذي كانت فيه عاصمة الخلافة تغرق من طوفان المياه ، كانت منطقة نهر دُجَـيل ، إلى الشمال الغربي منها ، تعاني من شح الماء ، فهلكت المزارع بالعطش ، ووقع الموتان في الغنم ، وغلت الفاكهة ، وارتفع سعر الطين لقلته[157] .

وبعد مرور قرابة أربع سنوات كان ابن الجوزي شاهدا على هطول مطر غزير بدأ في ليلة الأحد 16 رجب سنة 573هـ (= أحد أيام الأسبوع الثاني من يناير / كانون الثاني 1178م) ، "ودام ثلاثة أيام بلياليهن ، وكانت فيه رعود هائلة ، وبروق عظيمة ، ووقعت أدر كثيرة ، وامتلأت الطرقات بالماء ، وبقي الوحل أسبوعا " ، "وزادت دجلة زيادة بينة" ، "فقال لي شيخ من الملاحين : لي ثمانون سنة ما رأيت مثل هذه الزيادة في كانون [الثاني]"[158]. وظاهر الحال أن ضرر المياه كان قليلا بالمقارنة بالفيضان سابق الذكر . ثم عادت دجلة إلى الزيادة في 10 من  شوال (= أوائل أبريل / نيسان 1178م) وبلغت الزيادة عشرين ذراعا على غير المعتاد ، وخاف الناس ، وأخذوا يعملون في إصلاح السدود ، ثم نقص الماء بعد ثلاثة أيام [159] . وفي آخر شوال (= أواخر أبريل / نيسان 1178م) "جاء مطر شديد"[160] ، إلا أنه فيما يبدو لم يحدث خسائر .

وكما كان ابن الجوزي شاهدا على فيضان المياه في بغداد كان أيضا شاهدا على انحسارها ، ففي شهر صفر من سنة 572هـ (= أغسطس / آب 1176م) يذكر أن دجلة نقصت "نقصانا ما رأينا مثله ، وخرجت جزائر كثيرة فيها ما عهدنا مثلها ، وكانت السفينة تجنح في وسط دجلة فينزلون فيحركونها"[161] . كما كان أيضا شاهدا على القحط والغلاء ببغداد في عام 574هـ (=1178-1179م) ، فلم يأت مطر في شتاء العام المذكور ، وكذلك مر الربيع دون قطر إلا يسير منه في نيسان لم يغن من شيء ، "وأما دجلة فما رأيت فيها زيادة ولا انقطع الجسر طول السنة ، وهلك من الزرع ما كان سقيه المطر" ، وزاد سعر الخبز والشعير[162] . كما يشير ابن الجوزي إلى الغلاء في الموصل ، والجدب بواسط ، وقلة الماء وعدم العشب والجـِمال في طريق مكة ، و هو ما أثنى كثيرا من الناس من الخروج للحج "فقعد خلق كثير ، ورجع قوم قد قدموا من الموصل للحج فعادوا يبيعون زادهم"[163] . ومع ذلك فلم تكن الصورة التي قدمها ابن الجوزي للغلاء في العام المذكور قاتمة على النحو الذي رسمها ابن الأثير ، والذي كان هو أيضا معاصرا للحدث ، ولعل سبب ذلك أن ابن الجوزي توقف في تأريخه عند السنة المذكورة بينما امتد الغلاء حتى آخر العام التالي ، عام 575هـ ، أي أن الخبر ورد عنده مبتورا .

وكذلك شهد المؤرخ عددا من التقلبات المناخية والحوادث الطبيعية ، من ذلك ما ذكره بأنه في عام 569هـ (= 1174م) شهدوا حرا شديدا : "ورأينا في هذه السنة الحر في تموز وآب ما لم نره في أعمارنا ، وكان الحاج حينئذ في سفر الحجاز فأخبروا حين قدموا أنهم كانوا يتأذون بالبرد" ، وأعقب ذلك "تغير الهواء ببغداد بدخول أيلول ، فأصاب الناس نزلات وسعال ، فقل أن تر أحدا إلا وبه ذلك ، وإنما كان العادة أن يصيب بعض الناس ، وهذا كان عامّا"[164]. وقوله عن تقلب مناخي آخر في سنة 572هـ (= 1176م) : "وفي أواخر آب هب ريح شديد البرد ليالي ، فنزل الناس من السطوح ، ثم عاد الحر فصعدوا ، فأصاب الناس زكام شديد عمّ ذلك الخلق"[165].

وفي نفس العام كان المؤرخ شاهدا على حدث طبيعي لم يتردد في تسجيله على النحو التالي : "وظهرت حمرة شديدة في السماء من المشرق من وقت طلوع الفجر إلى حين استواء الشمس ، ثم كانت تظهر عند غيبة الشمس من  المغرب كذلك كأنها الشفق إلا أنها أشد حمرة ، لم نر مثلها كأنها الدم ، وكانت تتصاعد ويبقى تحتها من الغيم المضيء فتضيء له الأماكن كأنه ضوء الشمس ، وبقيت مدة ، ثم انقطعت ، ثم عادت تقل وتكثر أشهرا"[166] . وبعد النصف من رمضان من نفس العام (= منتصف مارس / آذار 1177م) جاء حر شديد "فبقي أسبوعا على مثل حر حزيران أو أشد ، فأخبر المشايخ أنهم ما رأوا مثل هذا في هذا الوقت ، ثم عاد الزمان إلى عادته" [167]. وفي يوم الاثنين 8 من ذي القعدة من نفس العام (= أحد أيام الأسبوع الثاني من مايو / أيار 1177م) "هبت ريح شديدة فأثارت ترابا عظيما وأزعجت الناس ، وبقيت كذلك ساعة جيدة ، ثم ذهبت" [168]. وفي العام التالي ، 573هـ ، يوم الأربعاء 7 من شوال (= أواخر أبريل / نيسان 1178م) ، هبت على بغداد "ريح عظيمة ، فزلزلت الدنيا بتراب عظيم حتى خيف أن تكون القيامة ، ثم جاء فيها بَـرَد ، ودام ذلك ساعة طويلة ثم انجلت" ، وقد أدت إلى وقوع عدد من الدور ومات جماعة من الناس ، "وكانت الريح تقوى ساعة وتخف ساعة إلى وقت الضحى ، ثم اشتدت ، وملأت الدنيا ترابا ، فصعد عنان السماء ، فتبين السماء منه مصفرة إلى وقت العصر"[169] . وقد أتى ابن الأثير على ذكر الخبر المذكور [170]، ولكن بدقته المعهودة يبين أن ذلك كان في بغداد ، وهو ما تجاهل ذكره ابن الجوزي . وكانت آخر مشاهدات صاحب "المنتظم" من الحوادث الطبيعية في بلده بغداد ما وقع في آخر سني تأريخه ، أي سنة 574هـ ، ففي ليلة الثلاثاء 29 من ذي القعدة (= أحد أيام الأسبوع الثاني من مايو / أيار 1179م) هبت ريح شديدة وغامت السماء ، "وظهرت أعمدة مثل النار في أطراف السماء كأنها تتصاعد من الأرض ، فاستغاث الناس استغاثة شديدة" ، وجاءت ليلة الثلاثين والأمر على ما هو عليه ، فلم ير الهلال ، فأرخ الناس الشهر على التمام ، وعاد الأمر إلى حاله في ضحوة أول ذي الحجة ، ولا يفوت أن يذكر ابن الجوزي كيف كان شكل الهلال حينئذ ، فيكتب : "وكان الهلال زائدا على الحد في الكبر والعلو ، فجعلنا ندهش من كبره"[171]

وفي عرضه التأريخي الخاص بالكوارث والحوادث الطبيعية يتخفف ابن الجوزي كثيرا من الروايات المتعددة والأسانيد التي تثقل النص التأريخي ، وإن لم يتخلص تماما من الرواية المسندة ، كما ألمعنا سابقا . ولكن مقارنة بالطبري ، فقد خطا صاحب "المنتظم" خطوة كبيرة نحو نص تأريخي تأليفي أكثر إحكاما . وطول الخبر عنده يتراوح بين الإيجاز والتوسط بوجه عام ، وهو يسهب في بعض الأخبار التي نقلها عن شهود عيان أو كان شاهدا عليها ، أو توفرت لديه بشأنها مادة كثيرة ، وربما يفتقر عرضه التأريخي في حالة الإسهاب إلى قدر من التنظيم .

ويصطنع ابن الجوزي في تدوين الشطر الأعظم من أخبار الكوارث والحوادث الطبيعة أسلوبا تقريريا إخباريا ، بيد أنه يلجأ إلى الأسلوب الوصفي التأثيري في تقييد عدد من أخبار الكوارث والحوادث الطبيعية ، وهي في الغالب إما كان شاهد عيان عليها ، فتأثر بما شاهده ونقله إلى النص التأريخي ، وقد أشرنا من قبل إلى أمثلة منها ، وإما منقولة عن سابقين عليه ، فلم يجر عليها تغييرا كبيرا. ونمثل على ذلك بحديثه عن موجة البرد التي وقعت بالعراق واستمرت أسبوعا من يوم الأربعاء 27 شوال إلى يوم الثلاثاء 3 من ذي القعدة من عام 418هـ (= أواخر نوفمبر / تشرين الثاني إلى أواخر الأسبوع الأول من ديسمبر / كانون الأول 1027م) ، فيكتب أن البرد "جمدت منه حافات دجلة ، وجمد الخل والنبيذ وأبوال الدواب ، ورئيت ناعورة قد وقفت لجمود الماء ، وصار الماء في أنقابها [أي فتحاتها] كالعمود"[172]. وحينما يكتب ابن الأثير نفس الخبر يتخفف من بعض الصور المذكورة ، فيكتب : "هبت ريح باردة بالعراق جمد منها الماء والخل وبطل دوران الدواليب على دجلة"[173]. وعن بَرَد عظيم أعقبته ريح شديدة بنواحي العراق يكتب ابن الجوزي . "وارتفعت بعده [بعد البَـرَد] ريح سوداء فقلعت كثيرا من أصول الزيتون العاتية العتيقة ، وعبرت بها من شرقي النهروان إلى غربيه وطرحتها على بعد ، وقلعت الريح نخلة من أصلها ، ثم حملت جذعها إلى دار بينها وبينها ثلاث دور ، وقلعت الريح سقف مسجد الجامع ببعض القرى ، وشوهد من البرد ما يكون في الواحدة ما بين الرطل إلى الرطلين ، ووجدت بردة عظيمة الحجم يزيد وزنها على مائة رطل ، فحزرت بمائة وخمسين رطلا ، وكانت كالثـور النائـم ، وقد نزلت في الأرض نحـوا من ذراع"[174] ، وعنه فيما يبدو ينقل ابن الأثير الخبر ، ولكنه يحجم عن وصف البرد ويكتفي بقوله "برد عظيم"[175]. وحين وقعت المجاعة ثم الوباء الذي تبعها في العراق والجزيرة والشام وخراسان والهند وغيرها من البلدان عام 423هـ (= 1031-1032م) يقدم ابن الجوزي صورا تأثيرية عن ذلك كقوله "ووردت الأخبار عن الأحساء وتلك البلاد أن الأقوات عدمت ، فاضطر أهل بادية كانوا فيها إلى أكل مواشيهم ثم أولادهم ، وكان الواحد يعارض بولده ولد غيره كيلا تدركه رقة في ذبحه وأكله"[176] ، وابن الأثير بدوره يعرض الخبر ملخصا في عدة أسطر[177] ، مضربا عن عرض الصور التأثيرية المذكورة في "المنتظم" .

وتكثر الأمثلة التي تحوي صورا تأثيرية وكذلك حكايات عارضة دلالية ، والتي كان في مقدور ابن الجوزي – لو أراد - أن يحذفها أو يتخفف من بعضها كما فعل ابن الأثير ، ولكن صاحب "المنتظم" احتفظ بها أو حرص على إضافتها ليس فقط لرغبته في الحشد ، ولكن أيضا لأنها لاقت هوى في نفسه ، ولأنها من أدواته الأساسية في خطابه كواعظ ديني يهدف إلى التأثير في سامعيه ، وهو كذلك في عرضه التأريخي يبغي التأثير في قرائه ، وليس أفضل من ميدان التاريخ للعظة ، وعلى الأخص موضوع تاريخ الكوارث والحوادث الطبيعية . ومع ذلك لم يتقاطع الأمران كثيرا ، الأداة التأثيرية والموضوع ، في تأريخية "المنتظم" كما قد يتوقع من واعظ ديني كابن الجوزي ، أو على الأقل كما كان يتوقع صاحب هذه الدراسة .


الموارد

1- أعمال الأعلام لابن الخطيب ، نشره إ. ليفي بروفنسال بعنوان تاريخ إسبانيا الإسلامية ، دار المكشوف – بيروت ، 1956 (= أعمال الأعلام) .

2- تاريخ الرسل والملوك لمحمد بن جرير الطبري ،  المعروف بتاريخ الطبري ، طبعة دار المعارف – القاهرة ، 1974 ، 10 أجزاء (= تاريخ الطبري) .

3- تاريخ اليعقوبي ، طبعة ليدن 1883 ، جزءان .

4- تكملة تاريخ الطبري لمحمد بن عبد الملك الهمذاني في ذيول تاريخ الطبري ، طبعة دار المعارف – 1990 (= تكملة الطبري) .

5- التنبيه والإشراف للمسعودي ، القاهرة ، 1938.

6- "حول ابن حيان" للمستشرق الاسباني غرثيا غومث ، مقالة منشورة في مجلة الأندلس .

 “A propَsito de Ibn Hayyan”, Al-Andalus, XI, 1946,  pp 395-432

7- دول الإسلام للذهبي ، القاهرة ، 1974 ، جزءان في مجلد واحد (= دول الإسلام) .

8- السيرة النبوية لابن هشام ، طبعة مصر 1936 ، 4 أجزاء (= سيرة ابن هشام) .

9- الصلة لابن بشكوال ، طبعة القاهرة ، 1966.

10- صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي في ذيول تاريخ الطبري ، طبعة دار المعارف – 1990 (= صلة الطبري) .

11- الطبقات الكبرى لابن سعد ،  طبعة صادر – بيروت ، 9 أجزاء (= طبقات ابن سعد) .

12- "الفيضان وغرق بغداد في العصر العباسي" للدكتور أحمد سوسة ، مجلة المجمع العلمي العراقي ، المجلد العاشر ، 1962 (= الفيضان) .

13- الكامل في التاريخ لابن الأثير ، ط. دار الكتاب العربي – بيـروت ، 1986 ، 9 أجزاء (= الكامل) .

14- المبتدأ والمبعث والمغازي لابن إسحاق ، المعروف بسيرة ابن إسحاق ، الرباط ، 1976 (= سيرة ابن إسحاق) .

15- المختصر في أخبار البشر لأبي الفدا ، طبعة دار المعارف – القاهرة ، 1998 ، 4 أجزاء (= المختصر).

16- مروج الذهب ومعادن الجوهر للمسـعـودي ، دار القلم – بيروت ، 1989 ، 4 مجلدات (= مروج) .

17- المعارف لابن قتيبة ، دار المعارف - القاهرة ، 1969.

18- معجم البلدان لياقوت الحموي ، دار صادر – بيروت ، 5 أجزاء (= معجم البلدان) .

19- المقتـبس لابن حيان القرطبي ، الجزء الثاني ، صورة طبق الأصل من المخطوط عن الأكاديمية الملكية للتاريخ ، مدريد ، 1999 (= المقتبس ، الثاني خ) ، وترجمته الاسبانيـة بمعرفة محمود مكي وف. كورينـتي F. Corriente  ، سرقسطة ، 2001 (= المقتبس ، الثاني تر) . ونشرة جزئية وترجمة اسبانيـة لنـفـس الجزء تتضمـن الفتـرة الأولى من حكم الأمير الحكم الأول لـ خ. فالفيـه J. Vallvé وف. رويث F. Ruiz ، مدريد ، 2003 (= المقتبس ، الثاني جز) .

20- المقتبس من أنباء أهل الأندلس لابن حيان القرطبي ، دار الكتاب العربي – بيروت ، 1973 (= المقتبس ط. مكي) .

21- المقتبس لابن حيان القرطبي ، القسم الثالث ، نشـر بمعرفة الأب ملشـور م. أنطونيا ، باريـس ، 1937 (= المقتبس ، الثالث ط. باريس) ؛ ونشرة الدكتور إسماعيل العربـي لنفـس القسم ، دار الآفاق الجديدة – المغرب ، 1990 (= المقتبس ، الثالث ط. المغرب) .

22- المقتبس لابن حيان القرطبي ، الجزء الخامس ، مدريد ، 1979 (= المقتبس ، الخامس) . والترجمة الاسبانية لـ م.خ. فيغيرا Mھ. Jesْs Viguera  وف. كورينتي F. Corriente  ، سرقسطة ، 1981.

23- المقتبس لابن حيان القرطبي ، القطعة الخاصة بحوالي خمس سنوات من حكم الخليفة الحكم المستنصر ، نشرت بمعرفة الدكتور عبد الرحمن الحجي ، دار الثقافة – بيروت ، 1965 (= 24- المقتبس ، ط. الحجـي) ، وترجمها للاسبانيـة غرثيـا غومـث E. Garcيa Gَmez  ، مدريد ، 1967 (= المقتبس ، تر. غومث) .

25- المنـتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي ، طبعة دار الكتب العلمية – بيروت ، 1992 ، 18 جزءا (= المنتظم) .

26- وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان لابن خلكان ، طبعة دار صادر – بيروت ، 1968-1972 ، 8 أجزاء (= وفيات الأعيان).


[1] سيرة ابن هشام ، 1/300 .

[2] طبقات ابن سعد ، 3/283،320-322 ، و4/29،110 .

[3] المصدر السابق ، 1/142 .

[4] سيرة ابن إسحاق ، ص 140 ؛ وانظر كذلك طبقات ابن سعد ،1/209.

[5] سيرة ابن إسحاق ، ص 141، 142 .

[6] طبقات ابن سعد ، 3/310.

[7] المصدر السابق ، 3/314.

[8] راجع تاريخ اليعقوبي ، طبعة ليدن 1883 في جزأين ، 2/179،421،484،621، 623، 624.

[9] تاريخ الطبري ، 7/401 .

[10] طبقات ابن سعد ، 7/243،245،251،256 . ويتفق معه ابن قتيبة ويحدد وقوعه فيما بين شهري شعبان وشوال من السنة المذكورة (راجع المعارف ، ص 602).

[11] راجع وفيات الأعيان ، ترجمة رقم 728 ، 5/229-231 .

[12] راجع المصدر السابق ، ترجمة رقم 693 ، 5/74-79 .

[13] راجع المصدر السابق ، ترجمة رقم 91 ، 1/210-213 .

[14] المصدر السابق ، 5/226 .

[15] المصدر السابق ، 2/338 .

[16] المصدر السابق ، 5/230 .

[17] تاريخ الطبري ، 2/642 .

[18] راجع المصدر السابق ، 4/96،98-100،101 ، و5/58 وما بعدها إلى 65 .

[19] المصدر السابق ، 10/147 .

[20] المصدر السابق ، 10/148 .

[21] المصدر السابق ، 7/92 .

[22] المصدر السابق ، 4/96 .

[23] المصدر السابق ، 9/631 .

[24] المصدر السابق ، 4/102 .

[25] المختصر ، 3/233 .

[26] المصدر نفسه .

[27] الطبري ، تاريخ ، 7/92 .

[28] المصدر السابق ، 10/67 .

[29] المصدر السابق ، 10/66 .

[30] المنتظم ، 12/374.

[31] صلة الطبري ، ص 33 .

[32] الطبري ، تاريخ ، 10/141 .

[33] صلة الطبري ، ص 33 .

[34] المصدر السابق ، ص 42 .

[35] راجع مقدمة محقق ذيول تاريخ الطبري ، ص 6 .

[36] راجع على سبيل المثال تكملة الطبري ، 216 ، 217 ، 296 ، 325 ، 339 ، 343 ، 356 ، 357 ، 440  .

[37] تكملة الطبري ، ص 325 .

[38] المصدر السابق ، ص 335 .

[39] المصدر السابق ، ص 357 .

[40] المصدر السابق ، 11/388 .

[41] التنبيه والإشراف ، ص 45.

[42] المصدر السابق ، ص 44 .

[43] مروج ، 4/193 .

[44] المصدر نفسه .

[45] راجع تاريخ الطبري ، 9/481-487 .

[46]  مروج ، 4/98-99 .

[47] المصدر السابق ، 4/99 . وأورد الطبري خبر انقضاض النجوم ، ولكن جعله في غرة جمادى الآخرة ، كما لم يشر إلى وفاة أحمد بن حنبل في السنة المؤرخة (راجع تاريخ الطبري ، 9/201) ؛ وكذلك أورد كل من ابن الجوزي وابن الأثير الخبرين ، ولكن دون ربط بينهما ، وإن علق الأول على انتقاض النجوم بقوله : "ولم يكن مثل هذا إلا لظهور رسول الله" ، فهل كان يعني بذلك موت أحمد بن حنبل؟ (راجع المنتظم ، 11/283،286؛ والكامل ، 5/296،297) ؛ بينما اكتفى الذهبي بذكر خبر الوفاة في السنة المذكورة (راجع دول الإسلام ، 1/146) .

[48] مروج ، 4/99.

[49] راجع الكامل ، 6/249 .

[50]  انظر بهذا الشأن مقدمة الدكتور محمود على مكي القيمة لتحقيق كتاب المقتبس من أنباء أهل الأندلس لابن حيان القرطبي ، ص 66-67 .

[51]  انظر مقدمته المذكورة ، ص 82.

[52]  انظر حوادث هذه السنوات في المقتبس ، الخامس .

[53]  انظر حوادث هذه السنوات في تاريخ الطبري ، جزء 8 ، و9 .

[54]  انظر السنـوات 187، 197، 207، 218، 224، 232، 235، 236، 254، 260هـ  من المقتـبـس ، الثانـي خ ، وترجمته الاسبانيـة ، وكذلك  المقتبس ، الثاني جز .

[55]  نشرت القطعة الخاصة بهذه السنوات من المقتبس بمعرفة الدكتور عبد الرحمن الحجي ، وترجمها للاسبانية غرثيا غومث E. Garcيa Gَmez  .

[56] المقتبس ، ط. مكي ، ص 93 .

[57] المصدر السابق ، ص 172-173 .

[58] المصدر السابق ، ص 321 .

[59] المصدر السابق ، ص 324 .

[60] المقتبس ، الخامس ، ص 103-104 .

[61] المصدر السابق ، ص 109-110 .

[62] المقتبس ، ط. الحجي ، ص 100-101 ؛ انظر أيضا المقتبس ، تر. غومث ، ص 129 .

[63]  المقتبس ، الثاني خ ، ورقة  101 ، والثاني تر ، ص 51 .

[64] المقتبس ، الثاني جز ، ص 40 ، والثاني تر ، ص 12 .

[65] المقتبس ، ط. مكي ، ص 1 .

[66] راجع المقتبس ، الخامس ، ص 383 .

[67] المقتبس ، الثالث ، ص 144 ؛ وط. المغرب ، ص 166 .

[68] المقتبس ، الثاني جز ، ص 61 ، 139 ، والثاني تر، ص 39 .

[69] المقتبس ، الثالث ط. باريس ، ص 127 ، وط. المغرب ، ص 150.

[70] المقتبس ، ط. مكي ، ص 7 .

[71] المقتبس ، الخامس ، ص 124 ، والترجمة الاسبانية ، ص 104 .

[72] الصلة لابن بشكوال ، ترجمة رقم 849 ، ص 396 ، وترجمة رقم 1170 ، ص 534-535 .

[73] المقتبس ، ط. الحجي ، ص 67 ، وتر. غومث ، ص  89.

[74] وحين رجعنا  إلى جداول التوفيقات بين التقويمين الهجري والميلادي وجدنا أن 26 من صفر يقابل الأربعاء 20 من ديسمبر ، أي أن الفارق بينه وبين ما جاء في المقتبس بوم واحد ، ولكن يجب أن لا يعزب عن البال أن جداول التوفيقات تعتمد على حساب رياضي فلكي للشهور القمرية ، أي افتراضي ، فلم يأخذ واضعوا هذه الجداول في الحسبان أن الناس كانوا – ولا يزالون – يستطلعون هلال رمضان والعيدين بالعين المجردة ، فينشأ خلاف بين التأريخ الفعلي الذي يأخذ به الناس ويدونون على أساسه ، وبين التأريخ الافتراضي المأخوذ في هذه الجداول ، وفي حالات أخرى قد يحدث التوافق بين التأريخين . وحيث أن النص يذكر صراحة اليوم : الثلاثاء ، وتأريخ الشهر الشمسي : 19 أكتوبر ، وحيث أن التقويم الشمسي يتسم بالثبات ، وفيه يثبت أن 19 أكتوبر كان يوم الأربعـاء ، فلا مـرد من الأخـذ به ، وبالتالي لا معنى من أن نقول أن 26 صفر كان يوافق الأربعاء 20 من أكتوبر .

[75] المقتبس ، ط. الحجي ، ص 202 ، وتر. غومث ، ص 243.

[76] راجع خبر القحط سنة 314هـ (= 927م) في المقتبس ، الخامس ، ص 205 .

[77] المقتبس ، الخامس ، ص 250-252 .

[78] المقتبس ، الثاني خ ، 180 r° .

[79] المقتبس ، ط. مكي ، ص 1 .

[80] أثار أسلوب ابن حيان نقاشا بين عدد من الدارسين ، وكان أولهم المستشرق الهولندي الكبير رينهارت دوزي ، فهو يري أن ثمة اختلاف بين أسلوبه في "المقتبس" ، وأسلوبه في "المتين" ، وأن مرد الاختلاف أنه كتب الأول في مقتبل العمر  ، بيتما كتب الثاني وهو شيخ عركته الخبرة ، فجاء الأسلوب ناضجا رصينا. وأشار المستشرق الاسباني العلامة غرثيا غومث إلى تعدد الأساليب في المقتبس ورأى إن هذا ينم عن تعدد النقول من مصادر مختلفة ، وبالتالي فإن "ابن حيان ، قطعا ، ليس مؤلف المقتبس" ، وأن هذا الكتاب "ليس بالفعل سوى مؤلف مقتبس في غالبه من المدونات التاريخية السابقة" ، وعمل ابن حيان فيه لا يتعدى دور الناشر ، وليس أبلغ على اقتناع المستشرق الاسباني بذلك من أنه نشر ترجمته للقطعة الخاصة بحوالي خمس سنوات من عهد الخليفة الحكم المستنصر  تحت عنوان : "حوليات ديوانية عن خليفة قرطبة الحكم الثاني لعيسى بن أحمد الرازي" وجاء هذا العنوان بخط كبير ، ويليه مكتوبا بخط أصغر "خلافة قرطبة في المقتبس لابن حيان" . وقد نافش الأستاذ العالم محمود مكي الرأيين المذكورين باستفاضة مبينا أنه لا يوجد خلاف جوهري بين أسلوبي الكتابين ، وقدّم نظرية مفادها أن ابن حيان كان يعمل فيهما في آن واحد ، وعن الرأي الثانـي أوضـح أن الرجـل أخذ بطريقتين في الكتابة ، وأنه "لم يكن مجرد ناقل ، بل إن شخصيته القوية تهيمن على كل ما يورده ونحس بها تطل علينا من جميع صفحات تاريخه التي يسندها إلى هذا المؤرخ أو ذاك ، سواء في أسلوب الكتابة أو في الميزان النقدي الصارم الذي حقق بها الروايات المختلقة" . ونحن بدورنا نأخذ بهذا الرأي ، ونفهم بالتالي أن الأسلوب في "المقتبس" وإن اختلف ، أو تعدّد ، فإنما هو صنعة مؤرخ واحد هو ابن حيان ، وأن التعدد سببه اختلاف المادة ومصادرها وطبيعة الموضوعات المؤرخ لها ، فكان صاحب "المقتبس" على وعي تام بمهمته كمؤرخ ، يتصرف فيما توفر لديه من مادة بالحذف والإضافة ، والاختصار والإسهاب ، بل والنقل حرفيا أحيانا ، وكان لهذا أثره على طريقة العرض ، ولهذا أخذ بالأسلوب التقريري الغالب على من سبقه من المؤرخين ، واصطنع  إلى جانب هذا الأسلوب أسلوبا إخباريا بيانيا ، ونحسب أنه ابتدعه ابتداعا ، فلم يقلد فيه أحدا ، بل بزغ من طول التصاقه بالمادة واشتداد ساعده في الصنعة ، خاصة حينما اقترب زمنيا من العصر الذي يؤرخ له ، فضلا على موهبته التأريخية وحساسيته الأدبية . واللافت للتأمل أن هذا الأسلوب الإخباري البياني هو الذي هيمن على كتابه "المتين" ، حيث لم يعتمد فيه على كتب مؤرخين سابقين عليه . ويكفي في هذا المقام للاستشهاد على أصالة أسلوب ابن حيان البياني الإخباري في "المقتبس" مقارنة النص المذكور أعلاه بأي من النصوص الحيانية الواردة في كتاب "الذخيرة" ، إذ يتبين التماثل : قدر معتدل غير متكلف من عناصر البيان والبديع ، مقابلات متوازنة ، وصف حي ، انسياب ، ربط وإحكام ، ناهيك عن لغة ثرية ، كل هذه الأدوات يستخدمها ببراعة ليسوق خبرا أو يصور حدثا أو يرسـم شخصية في زمان ومكان محددين (راجع بهذا الشأن : مكي ، مقدمة المقتبس ، ص 69-72 ، 75-76 ، 107 ؛ غرثيا غومث ، مقالته "حول ابن حيان" ، خاصة ص 414-415 ؛ وكذلك مقدمته لترجمة القطعة الخاصة بسنوات من حكم الخليقة الحكم المستنصر ، ص 13-14 ).

[81] المقتبس ، الخامس ، ص 383-384 .

[82] المصدر السابق ، ص 479 .

[83] المصدر السابق ، ص 434 ، 447 .

[84] المصدر السابق ، ص 447 .

[85] أعمال الأعلام ، ص 99 .

[86] راجع المنتظم ، 3/344 ، 5/255 ، 6/267 ، 8/285 ، 11/4-5،42،73.

[87] راجع المصدر السابق ، 11/99،189-190،209،252،266،270،271،286،294 ، 12/136،222.

[88] راجع المصدر السابق ، 12/422-423 ، 13/16،33،50،133.

[89] على سبيل المثال تكرار خبر انبثاق بثق من الفرات من نواحي الأنبار في أحداث عام 328هـ وفي أحداث العام التالي ، 329هـ ؛ وخبر زيادة دجلة في عام 366 وعام 367هـ ؛ وخبر هبوب رياح سوداء على الحجاج بالثعلبية في أحـداث عـام 397هـ ، ثم في أحـداث سنـة 399هـ (انظـر المنتظـم ، 13/382،403 ، و14/55،247،252 ،و15/55،67-68).

[90] تحتاج تواريخ بعض أخبار الكوارث التي ذكرها ابن الجوزي إلى التحقيق ، مثل ذكره ظهور الجراد في بغداد في عام 347هـ ، بينما يضع ابن الأثير الخبر في أحداث العام التالي ، 348هـ ؛ ويذكر الأول خبر زلزلة في فلسطين ومصر في يوم الثلاثاء 11 من جمادى الأولى سنة 462هـ ، بينما يذكره الثاني ، وعنه ينقله الذهبي ، في جمادى الأولى من سنة 460هـ (انظر المنتظم ، 14/114 ، و16/116؛ الكامل ، 6/356 ، و8/106 ؛ دول الإسلام ، 1/269) . كما يغفل ابن الجوزي في بعـض الأحيـان مكان الحدث خاصة إذا ما كان في العراق أو بغداد ، وكأنه يظن أن المكان أمر معلوم بداهة .

[91] راجع تاريخ الطبري ، 9/207،265،667.

[92] المنتظم ، 11 / 73.

[93] المصدر السابق ، 14/48 ؛ ولم يتيسر لنا تحديد المكان المذكور ، وأقرب ما لدينا قَيـْمُر الذي ، حسب ياقوت الحموي ، قلعة في الجبال بين الموصل وخِلاط (معجم البلدان ، 4/424).

[94] المنتظم ، 15/344 .

[95] الكامل ، 8/69.

[96] المنتظم ، 11/270 .

[97] المصدر السابق ، 13/218 .

[98] الكامل ، 6/175 .

[99] المنتظم ، 14/27 ؛ وهذا الخبر ذكره الهمذاني (انظر هامش 37) .

[100] المنتظم ، 14/98 .

[101] المصدر السابق ، 14/114 .

[102] الكامل ، 6/356 .

[103] المنتظم ، 14/205 .

[104] المصدر السابق ، 16/147 .

[105] المصدر السابق ، 16/171 .

[106] المصدر السابق ، 18/50 ؛ والكامل ، 9/16 .

[107] تاريخ الطبري ، 9/201 .

[108] المنتظم ، 13/374 .

[109] المصدر السابق ، 14/7.

[110] المصدر السابق ، 15/ 302-303، 305 .

[111] المصدر السابق ، 16/61 .

[112] المصدر السابق ، 16/102 .

[113] المصدر نفسه .

[114] المنتظم ، 16/139 .

[115] دول الإسلام ، 1/273 .

[116] المنتظم ، 16/240.

[117] المصدر السابق ، 18/207.

[118] انظر تاريخ  الطبري ، 7/43 ، و8/121.

[119] انظر الكامل ، 8/251، 276، 304-305، 9/52، 80، 84، 121، 128، 189،225 .

[120] المنتظم ، 17/140.

[121] المصدر السابق ، 17/143.

[122] المصدر السابق ، 17/145.

[123] المصدر السابق ، 17/161.

[124] المصدر السابق ، 17/194.

[125] المصدر السابق ، 17/283.

[126] المصدر السابق ، 18/107؛ وانظر كذلك الكامل ، 9/52.

[127] المنتظم ، 18/164 ؛ وذكره ابن الأثير في حوادث عام 558هـ (الكامل : 9/84).

[128] المصدر نفسه .

[129] المنتظم ، 18/190.

[130] المصدر السابق ، 18/197.

[131] المصدر السابق ، 18/200؛ وحدد ابن الأثير الموقع الثاني للحريق على النحو التالي : "ومن الجانب الآخر من حجر النحاس إلى دار أم الخليفة" (الكامل : 9/121). 

[132] المصدر السابق ، 18/202 ؛ وانظر كذلك : الكامل ، 9/128.

[133] المصدر السابق ، 11/242.

[134] المصدر السابق ، 4/281 ، و5/255 ، و6/211 ، و7/287-288.

[135] كما يشير ابن الجوزي إلى محمد بن حبيب عند الحديث عن سيل حَرَّة ليلى نارا فيكتب : "وقال ابن حبيب : هذه النار خرجت بخيبر" (راجع المنتظم ، 4/281) .

[136] المصدر السابق ، 11/270.

[137] المصدر السابق ، 11/294-295 . راجع أيضا تاريخ الطبري ، 9/207 ، والكامل ، 5/297.

[138] المنتظم ، 11/295.

[139] المصدر نفسه . راجع أيضا تاريخ الطبري ، 9/207 ، والكامل ، 5/297 .

[140] المنتظم ، 8/285.

[141] المصدر السابق ، 14/6-7. وانظر عن هذا الغلاء تكملة الطبري ، ص 325، والكامل ، 6/281.

[142] المصدر السابق ، 14/7-8.

[143] المصدر السابق ، 14/109-110. وانظر كذلك الكامل ، 6/352 ؛ ويشير الهمذاني إلى الوباء المذكور في أحداث سنة 348 (تكملة الطبري ، ص 388) .

[144] المنتظم ، 14/54. وانظر كذلك تكملة الطبري ، ص 357.

[145] المنتظم ، 17/140 .

[146] المصدر السابق ، 17/156 .

[147] المصدر السابق ، 17/256.

[148] هي قصبة أرّان ، بين أصبهان وخوزستان ، غرب بلاد فارس (راجع معجم البلدان ، 4/482).

[149] المنتظم ، 17/335 .

[150] عن حوادث الفيضان في بغداد انظر مقال "الفيضان" ، ص 30-68.

[151] المنتظم ، 18/33 .

[152] المصدر السابق ، 18/252

[153] المصدر السابق ، 18/135 .

[154] الفيضان ، ص 42،45.

[155] المنتظم ، 18/204-207. انظر كذلك الكامل ، 9/128؛ دول الإسلام ، 2/82.

[156] االمنتظم ، 18/207.

[157] المصدر نفسه .

[158] المصدر السابق ، 18/238-239 .

[159] المصدر السابق ، 18/240 .

[160] المصدر نفسه.

[161] المصدر السابق ، 18/227 .

[162] المصدر السابق ، 18/250-251.

[163] المصدر السابق ، 18/252.

[164] المصدر السابق ، 18/202-203 .

[165] المصدر السابق ، 18/227 .

[166] المصدر نفسه .

[167] المصدر السابق ، 18/230.

[168] المصدر السابق ، 18/231.

[169] المصدر السابق ، 18/239-240 .

[170] الكامل ، 9/143 .

[171] المنتظم ، 18/252.

[172] المصدر السابق ، 15/183-184.

[173] الكامل ، 7/330.

[174] المنتظم ، 15/194.

[175] الكامل ، 7/343.

[176] المنتظم ، 15/227.

[177] الكامل ، 8/3.

المقالات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبيها

اشترك معنا

 ضع بريدك هنا