|
الأندلس في القرن الرابع الهجري
من خلال شهادة مؤرخ معاصر
( ابن حَيَّان القرطبي )
أنور محمود زناتي - كلية التربية - جامعة عين شمس
عاش ابن حَيَّان ([1])القرطبي
في الفترة ما بين ( 377 – 469 هـ / 987 – 1076 م ) ، وهي فترة عامرة
بالأحداث السياسية حيث شهدت سيطرة الدولة العامرية ، ثم عصر الفتنة ،
وسقوط الخلافة الأُمَوية ، وقيام دول الطوائف ، وتفاقم الخطر النصراني ،
وتعاظم دور اليهود ، واندلاع النزاعات العرقية والطائفية (2) وجميعها
أحداث أثرت بلا شك في خبرته التاريخية وتركت أثاراً واضحة في ثنايا
أعماله ؛ حيث رصد وبدقة مرحلة الفتن والاضطرابات المتتالية في الأندلس
فصور الوضع العام بأن الرعية " عدموا الراعي العَنُوف منذ حِقَب ، فنبذوا
السلاح وكلِفوا بالتّرْقيح" (3) ، ونافسوا في النّشَبِ ،
وعطَّلوا الجهاد ، وقعدوا فوق الآرائك مقعد الجبابرة " (4) ،
وتولى الأمر " جماعة من الأغمار، كانوا
عصابةً يحل بها الفَتاءُ (5)، ويذهب
بها العُجْبُ" (6).
وكان الوضع في الأندلس في تلك الفترة قد تغير تغيراً جذرياً ؛ فبعدما
كانت الخلافة تجمع بين السلطتين الزمنية والروحية ، جاء الحاجب (7)
المنصور ابن أبي عامر ( 370-392هـ / 980 – 1001 م ) (8)، وأبناؤه من بعده
(9) فانتزعوا منها السلطة الزمنية (10)
، وكانت وفاة عبد الملك (المُظَفَّر) (11) ابن المنصور العامري فاتحة
لفترة مضطربة من تاريخ الأندلس (12)
بدأت بعبد الرحمن (شنجول) (13) الذي " ساء تصرفه وأنفق الأموال في غير
وجهها ، ونُسِب إليه أباطيل القول والفعل ، واستعان بالعسكر للتحرر من
نفوذ العامة (14)،
وانتهى الأمر بقتله
(15)؛
ففتح
على الأندلس باباً لم يُسَد إلا بانهيار الدولة كلها ، وكان ذلك إيذاناً
ببداية نهاية دولة الإسلام في الأندلس .
ويرى الدكتور محمود إسماعيل أن تلك الأزمة " جديرة بأن تشحذ العقول
الذكية ، وتنتج مفكرين مخلصين يصطبغ تفكيرهم بالمرارة ويحاولون البحث عن
علة ذلك الداء الذي أوتى منه بلدهم ومحاولة تكوين مشروع سياسي اقتصادي
اجتماعي"
(16)، ومن هنا ظهر هذا الجيل من أبناء قُرْطُبَة من أمثال ابن حَيَّان
وابن حَزْم ، وابن شُهَيْد (17) ممن حاول كل منهم في ميدان علمه تقصى
الحقيقة والبحث عن علاج لمحنة بلدهم (18)، ولذا نلمح في كتابات ابن
حَيَّان التاريخية شيوع روح النقد لديه ؛ فنراه يعبر عن رأيه وبوضوح ؛
ففي أيام دولة الخليفة
" سليمان المستعين " (19)، وبداية "
الفتنة البربرية " يذكر أنها كانت : " شِداداً نَكِدات صعاباً مَشئومات
، كريهات المبدأ والفاتحة ، قبيحة المُنْتَهَى والخاتمة ... " (20) .
ويشير ابن حَيَّان في نصوصه إلى النهب الذي حدث بقُرْطُبَة ،
واجتياح التدمير بلا حساب أحياء قُرْطُبَة وهو ما كان له أبلغ الأثر في
تكوين فكره
السياسي ، وانعكس ذلك على كتاباته التي اتسمت بالحدة والحزن فقد كان
يعتقد بأن الأندلس ينبغي أن تحتل مكان الصدارة في العالم الإسلامي ،
وتشيع هذه الروح في كل كتاباته (21).
وقد زاد من اضطراب الأوضاع في الأندلس - لاسيما قُرْطُبَة - اقتحام
البربر (22) لها (23)، ونشر الدمار بها ، ودفعت قُرْطُبَة ثمن مقاومتها
أنهارا من الدماء ، وقتل الكثير من أهلها (24)، ودخلت البلاد بعدها في
سلسلة من الأحداث (25) واضطربت الأوضاع ، واستمرت النزاعات التي شارك
فيها البربر والصقالبة (26) وأهل قُرْطُبَة أنفسهم ، الأمر الذي جعل ابن
حَيَّان يكن للبربر كراهية شديدة تشيع على ظاهر صفحات تاريخه ، فهو يندد
بقسوتهم وحقدهم الدفين على الدولة الأندلسية ، ورغبتهم في نقض بناء
الحضارة الأندلسية منذ أول لحظة يتهيأ لهم فيها ذلك (27) وقد تتبع ابن
حَيَّان تلك الأحداث وفى تفصيل دقيق .
وانتهت هذه المرحلة في سنة 417 هـ / 1026 م ، حين أجمع أهل قُرْطُبَة
برئاسة الوزير أبو الحَزْم بن جَهْوَر على رد الأمر إلى بني أُمَيّة
(28)
، واتفقوا على مبايعة هشام بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن الناصر
(29)
، وتلقب بالمستظهر
(30)
. وبعد ذلك خرج عليه ، محمد بن عبد الملك (المُسْتَكْفي ) سنة 414 هـ /
1023 م ، ويذكر ابن حَيَّان عن الخليفة المستكفى قوله : " ولم يكن هذا
المستكفى من هذا الأمر في وِرْدٍ ولا صَدَر ، وإنما أرسله الله تعالى على
أهل قُرْطُبَة محنة وبلية "
(31)،
وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على متابعة ابن حَيَّان للأحداث ورصدها
بصورة شبه يومية وبطريقة ناقدة ، كما سيتضح في الفصول القادمة .
ونتيجة لتلك الأحداث – وكما يرى الدكتور محمود إسماعيل – تقلصت بالضرورة
قوة السُلطة في الداخل
(32)،
وهو ما انعكس أيضاً على فكر ابن حَيَّان؛ فحاول مثل غيره من المؤرخين
النابهين من أمثال
ابن حَزْم
أن يعمل على تحقيق وحدة الأندلس وتقوية سلطة الخلافة من جديد
(33)؛
فنراه يعتد "بالجماعة" أو وحدة الأندلس ؛ ولذا كان يستخدم كلمة الجماعة
مراراً وتكراراً فيقول : " سلطان الجماعة " و" إمام الجماعة " و"أمير
الجماعة "
(34).
وبينما كان البناء السياسي للأندلس يتصدع شيئاً فشيئاً أثناء فترة الصراع
على الخلافة بين من ادعاها من أفراد البيت الأُمَوي ومن أعقبوهم من بني
حَمّود
(35)،
انهار البناء السياسي جملة ، وضاعت الوحدة ، وتفرق أمر
الجماعة
(36)
، وفي تلك الأثناء اجتمع شيوخ قُرْطُبَة والوزراء برئاسة أبي الحزم بن
جَهْوَر واتفقوا على خلع المُعْتَد بالله – آخر خلفاء بني أُمَيّة - ،
وإبطال رسم الخلافة جملة
(37)،
ونودي في الأسواق والأرباض ؛ ألا يبقى بقُرْطُبَة أحد من بني أُمَيّة ،
وألا يكنفهم أحد من أهل المدينة ، وانتهى بذلك أمر بني أُمَيّة في
الأندلس وزالت خلافتهم وانقطعت الدعوة لهم
(38)،
وأثرت تلك الواقعة تأثيرا بالغاً في فكر ابن حَيَّان ، وجعلته يتابع
مصير دويلات الطوائف ، ويرصد العديد من الوقائع ، وركز على انفراط وحدة
الأندلس وتفرق ملكها إلى دويلات طائفية
(39)،
واقتسامهم ألقاب الخلافة ؛ فوصفهم ابن حَيَّان بأنهم : " أُمراء الفرقة
الهمل
(40)الذين
هم ما بين فشل وَوَكَل"
(41).
أما في قُرْطُبَة فقد اجتمع كبار أهلها بعد إلغاء الخلافة ، وأسندوا
الأمر إلى ابن جَهْوَر ، وكان مشهوراً عندهم بجدارته وكفاءته لتقلد هذا
المنصب
(42)
، وابتكر لأهل قُرْطُبَة نظاماً جديداً للحكم قائماً على الشورى ، ورأى
ابن حَيَّان أنه لم يستبد بالسلطة كما استبد غيره من ملوك الطوائف ،
وإنما كون مجلساً للحكم من شيوخ أهل قُرْطُبَة وانتخب أميناً لهذا المجلس
، وكان لا يصرف أمراً إلا بعد الرجوع إلى جماعة الشيوخ هؤلاء
(43)
، وكان من جراء ذلك أن اختار ابن حَيَّان المقام في قُرْطُبَة في ظل
الجَهاوِرَة لأنهم في نظره
خير بيئة يستطيع فيها أن يسجل أحداث عصره
،
وفيها استطاع أن
يعبر عن سلبيات المجتمع الأندلسي خاصة بعد تمزق الأندلس على هذا النحو ،
وقد انتقد ملوك الطوائف فى عصره خاصة في تربص بعضهم لبعض ، واستعانتهم
بالنصارى لتنفيذ مخططاتهم
وهو ما سيضح لنا
عند الحديث عن الموضوعية في كتاباته
.
وبصفة عامة – وكما يرى الدكتور محمود إسماعيل – أن " الانتكاسات
التاريخية في حياة الشعوب ليست شراً مستطيراً على طول الخط ؛ بل قد تسفر
عن ايجابيات بصدد الفكر وتطوره ، إذ غالباً ما تفضي إلى استنفار النخبة
المفكرة لاستقراء أسباب وعلل تلك الانتكاسات " (44)
.
وعلى الصعيد الاقتصادي وبعد انهيار وسقوط الخلافة حدثت الانتكاسة وعم
الكساد الاقتصادي
(45)وتدهور
العمران ، وحفل العصر بالأزمات إلى حد المجاعة وأفل نجم قُرْطُبَة
عمرانياً وبشرياً ، وصور ابن حَيَّان الوضع قائلاً :
"... وطمست أعلام قصر الزهراء (46)..... فطوى بخرابها بساط الدنيا وتغير
حسنها ، إذ كانت جنة الأرض ،فعدا عليها قبل تمام المائة من كان أضعف قوة
من فارة المسك ، وأوهن بنية من بعوضة النمروذ ، والله يسلط جنوده على من
يشاء ، له العزة والجبروت " (47).
وتحولت المدن التجارية المزدهرة إلى قلاع وحصون عسكرية
(48)
الأمر الذي لقي تنديد ابن حَيَّان ، ويشيع ذلك في صفحات كتابه " المتين "
ومثال على ذلك ما أشار إليه في فطنة بالغة عن سوء الأحوال الاقتصادية
نتيجة الوضع المتردي في بمدينة بَطَلْيَوْس (49) نتيجة النزاع بين
المعتضِد بن عَبَّاد والأَفْطَس ؛ فقال : " بقيت بَطَلْيَوْس مدةً خالية
الدكاكين والأسواق من استئصال القتل لأهلها في وقعة ابن عَبَّاد هذه
بفتيان أغمارٍ إلا الشيوخ والكهول الذين أصيبوا يومئذ . فاستدللت بذلك
على فشو المصيبة (50)؛
فتوقع برؤية ثاقبة عما سيحل بعد ذلك من كوارث اقتصادية .
وانتشرت في الأندلس "
الكُوَر
المجندة "
(51)نتيجة
لكثرة الحروب الأهلية،
فنزل جند دمشق في كورة إلْبِيرَة (52) ، وجند حَمْص في كورة إشبِيلِيّة
(53) وجند الأردن في كورة مالطة ، وجند قِنَّسْرِين في كورة باجة،(54)
وبعضهم بكورة تُدْمِير (55)، فهذه منازل العرب الشَّاميين، وبقي العرب
والبربر والبلديون
شركاءهم ، كما تعاظم "إقطاع التجار" نتيجة شرائهم بعض إقطاعات الخلفاء
والولاة (56) . وفي ظل هذا الحكم اضطرب الوضع الاقتصادي ، واشتد الغلاء
وانتشرت الأوبئة ، وعمت الكوارث ، وانعدم الاستقرار والأمن (57).
ولجأ الملوك من أجل إرضاء نزواتهم وتحقيق لذاتهم إلى إثقال كاهل رعاياهم
بالضرائب (58)؛ فانعكس ذلك الوضع على كتابات ابن حَيَّان فوصف ذلك الوضع
المتردي في مرارة واضحة بقوله " فما أقول فى أرض فسد ملحها الذى هو
المصلح لجميع أغذيتها ؟ هل هى إلا مشفية على بوارها واستئصالها ؟ ولقد
طمى العجب من أفعال هؤلاء الأمراء ...
أمور لو تدبرها حكيم إذن لنهى وهبب ما استطاعا (59)
وعلى الصعيد الاجتماعي شهد المجتمع الأندلسي في ظل الخلافة والحِجابة
مرحلة المزج والانصهار بين العرقيات المتنوعة ليحدث نوع من التجانس لم
تشهده الأندلس من قبل ؛ إلا أن السخائم العرقية والإقليمية عادت مرة أخرى
لتؤثر سلبياً في هذا التجانس، ولتمزق وحدة الأندلس من جديد (60)بظهور
النزعة العنصرية
؛ ولذا لم يغب عن ابن حَيَّان أيضاً أن يعبر عن تلك النزعة في الأندلس في
تلك الفترة وذلك من خلال حديثه عن اجتماع خازني بيت المال في عهد الأمير
محمد ، وهما " عبد الله بن عثمان بن بسيل ، ومحمد بن وليد بن غانم "
واستدعى الأمر أن يكتب ابن غانم كتاباً قدم نفسه فيه ، فما كان من ابن
بسيل إلا أن قام له : " والله لا أطبع كتاباً تتقدمني أنت فيه ، وأنا
شامي وأنت بلدي " (61) .
ويشير أيضاً إلى الفتنة بين اليمية والمضرية فقال : " وكان ابتداء فتنة
أهل الجزيرة وانبعاثها بالمعصية بين اليمانية والمضرية أن أطلق بعضهم على
بعض الغارات واستحلوا الحرمات وتخلقوا بأخلاق الجاهلية ، واتخذوا الحصون
والمعاقل المنيعة فارتقوا اليها وأذلوا البسائط " (62)
وقد كانت هناك طبقة الأُمراء والحكام وذوو الثراء وأصحاب الوظائف الكبرى
، وكانوا يمتلكون ثروات طائلة تمثلت في الضياع الواسعة ، والقصور الخاصة
، وتفننوا في صنوف من البذخ (63)، والناظر إلى روايات ابن حَيَّان يجد أن
الغالب عليها تصويره مثالب الطبقة الحاكمة ، ولم يغب عنه تصرفات الحكام
وشغفهم بالبناء إلى حد الإسراف والبذخ ويتضح هذا ـ فيما نقله عن معاوية
بن هشام ـ عند ذكره لقيام الأمير محمد بتحسين قصر الخلافة ، فيقول : أنه
بلغ من تحُسَينه إياه مبلغاً " تَوَفَّتْ به الكمال ، واكتسبت الجمال ،
فشفيت به أدواء النفوس ، وضرب بحسنها المثل " (64).
كما رصد ابن حَيَّان انحراف الحُجاب والوزراء ، واستطاع أن يلقي الضوء
حول طبيعة حياة الأمراء من خلال المعايشة ، وقد أشار إلى ما أصاب أهل
الأندلس من نفاق وقلة وفاء وميل مع من يبقى في المنصب ، كما لم يغب عنه
أن يصور بعض تجاوزات الولاة وظلمهم كما صور دور الجواري في بلاط حكام
الأندلس ، وانتقد ما كان يقمن به من دسائس وهذه الرؤية النقدية ما كانت
لتحدث لولا ظروف عصره التي دفعته إلى ذكر ما وصل إليه حال الأندلس من
انقسام وتفكك (65).
ونراه لا يغفل الإشارة إلى حال " مشيخة الشورى " أواخر عهد الخلافة
الأُمَوية بالأندلس ، ويتضح هذا عند حديثه عن الخليفة هشام المُعْتَد
الذي يقول
عنه : " وزاد فى رزق مشيخة الشورى من مال العين ، ففرض لكل واحد خمسة عشر
ديناراً مشاهرة ، فقبلوا ذلك على خبث أصله ، وتساهلوا فى أكل ما لم
يستطبه فقيه قبلهم " (66) .
وكانت هناك طبقة أخرى تعاني ألوان العسف والتنكيل ، ويطلق عليهم لقب
العوام وهم الفئة المهمشة في التاريخ (67)ولا يأتي ذكرهم في الغالب الا
عند التأريخ للكوارث كالمجاعات والأوبئة ، أو من خلال ذكر حركات المعارضة
التي جري تهميشها بالمثل ودمغها بأبشع التهم والنعوت (68) . وتتكون هذه
الطبقة من الفلاحين في الريف والحرفيين والعمال في المدن (69) وأغلبها من
البربر أو المولدين (70)، أو الموالي (71) ، وكان على هذه الطبقة أن
تتحمل أعباء ضرائب باهظة كانت تُفرَض عليها وكانت تقوم بينهم وبين الدولة
هوة سحيقة من سوء الظن وعدم الثقة (72). وكان لهذا التدني أثره على ابن
حَيَّان في معارضته لهذه المظاهر في كتبه وتنديده بفاعليها (73) ، ويقول
واصفاً أحد هؤلاء المغالين في جمع الضرائب : " ونعي إلينا فلان، وكان
فظاً قاسياً ظنيناً جشعاً جباراً مستكبراً قليل الرحمة نزر الإسعاف
زاهداً في اصطناع المعروف، أحد الجبابرة القاسطين على الرعية، المجترين
على رد أحكام الشريعة وكان مهلكه – زعموا – من طاعونة طلعت عليه ببعض
أطرافه، فتجاسر على قطعها بفرط جهالته، فمات معذباً في الدنيا ولعذاب
الآخرة أشد (74).
أما الحالة الثقافية فالعجيب أنه وعلى النقيض من الوضع السياسي ؛ لم تكن
الثقافة الأندلسية يوماً أشد إشعاعاً ، وأقوى خصوبة كما كانت عليه في تلك
الفترة ففي الغالب تكون الأزمة "تحدياً" يوجب " الاستجابة " – حسب مفهوم
" أرنولد توينبي" - ، وغالباً ما تناط النخبة المفكرة بريادة الاستجابة
على الصعيد المعرفي كما يرى الأستاذ الدكتور محمود إسماعيل (75) .
ويجمع الدارسون على ازدهار الحركة الثقافية في عصر ملوك الطوائف وذلك
راجع إلى تداعيات وظلال العصر السابق ، بما يؤكد أن الظواهر الفكرية في
تطورها وفي أفولها تحتاج إلى فترة زمنية طويلة (76).
هذا وقد مجد الأندلسيون العلماء والفقهاء ورجال الأدب ، وكان لهؤلاء
القيادة والريادة في المجتمع الأندلسي أما العلماء فقل من تجده متبحراً
في علم واحد أو علمين ؛ بل فيهم من يعد من الفقهاء والمحدثين والفلاسفة
والأدباء والمؤرخين واللغويين (77)ولم يقتصروا على العلوم النظرية بل
كانت لهم دراسات في علوم عملية (78) كالفيزياء، وعلم العقاقير، والزراعة
(علم الفلاحة) والذي أبدعوا فيه وصنفوا التصاميم المشهورة، مسجلين ما
توصلت إليه تجاربهم في النباتات
والتربة (79).
وهذا التعدد المعرفي لعب دوراً مهماً في إثراء فكر ابن حَيَّان خاصة وأنه
كان مكثرا من الاطلاع على تلك الكتب، وسهلت له تلك النهضة العلمية
الاطلاع على تاريخ الممالك النصرانية أيضاً ، مما يرجح أنه كان يعرف
عجمية الأندلس وأن " ما أورده ابن حَيَّان من أخبار عن إسبانيا (80)
النصرانية ينم عن معرفته الدقيقة بكل أحوالهما وأنساب حكامها (81).
وكان لكثرة مطالعاته التاريخية أن تجنب الروايات الخرافية والأسطورية ولم
يشع ذلك في كتاباته ؛ مما كون وعى تاريخى ناقد لديه ومكنه من أن يصور ما
وُجد فى البلاط الأندلسي من دسائس وفتن بين الحجاب والوزراء تصويراً
نقدياً لا يعتمد على القص فقط .
والخلاصة أن الفكر التاريخي قد اذدهر إبان تلك الحقبة التي شهدت " القرن
الذهبي" في تاريخ الفكر الإسلامي (82) وخير نموذج هو حامل لواء التاريخ
في الأندلس " ابن حَيَّان القرطبي ".
المصادر والمراجع
(45
) Miguel
Asin Palacios : "
Un códice inexplorado del cordobés Ibn Hazm. Al-Andalus, 1934, 1, p,
vol . 2 ( 1934 ) p. 40 .
|